بين فرحة الفتح ومرارة الاحتلال.. الأقصى يتحدث إلى أمته
د. وصفي أبو زيد يكتب
- dr-naga
- 9 أبريل، 2026
- رأي وتحليلات
- الاحتلال, الفتح, المسجد الأقصى, فتح المسجد الأقصى
أنا المسجد الأقصى، أولى القبلتين، وثالث الحرمين، ومسرى النبي الأمين، أقف اليوم بين الفرح والأسى، أتنفس نسائم المصلين بعد طول انقطاع، وأكتحل بدموع العائدين بعد أربعين يومًا من الصمت الثقيل. فها قد فُتحت أبوابي، وعاد إليَّ أحبابي، وترددت في أرجائي تكبيراتهم، فاهتزت أروقـتي شوقًا، وارتعشت قبابي حنينًا، وانطلقت من حجاراتي آهات الفرح المختلط بمرارة الجراح.
نعم، فُتحتُ اليوم… ولكن ليس كما تُفتح الديار في مواكب العز، ولا كما تُستردُّ المقدسات في أيام النصر، بل فُتحتُ بقيودٍ مفروضة، وشروطٍ مغروسة، وبيدِ احتلالٍ طال ظلمه، فكان الفتح في ظاهره سرورًا، وفي باطنه جرحًا لا يندمل. فرحتُ لأن أقدام المصلين عادت تدبُّ في ساحاتي، ولأن جباه الساجدين عادت تبلل ثراي، ولأن أصوات القرآن عادت تملأ فضائي، بعد أن عشت رمضان وحيدًا بلا تراويح، وأيام الجمعة صامتًا بلا جموع، أرقب السماء وأشكو إلى الله لوعة الفراق.
يا أمة الإسلام…
لقد اشتقتُ إليكم شوق الأرض للمطر، وشوق الروح للنور. اشتقتُ إلى دموع الخاشعين في ليالي القدر، وإلى تكبيرات العيد التي كانت تعانق قبابي، وإلى صفوف المصلين التي كانت تمتد كأنها أنهار من الإيمان، تفيض في جنباتي طمأنينة وسكينة. لقد مرَّ عليَّ رمضان حزينًا، تتردد فيه أصداء الصمت بدل التسبيح، وتكتنفني الوحشة بدل التهليل، فبكيتُ غيابكم، كما تبكي الأم فراق أبنائها.
واليوم عدتم… فامتلأ قلبي نورًا، وارتدت روحي ثوب الفرح. عدتم فتنفستُ، وعدتم فحييتُ، وعدتم فعاد إليَّ نبض الحياة. لكنني – يا أحبتي – ما زلت جريحًا، ففرحتي منقوصة، لأن مفاتيحي ليست بأيديكم، ولأن فتحي لم يكن بيد الأمة التي شرفتني، بل بيد من احتلني، وفرض شروطه عليَّ، كأنني غريب في داري، وأسير في محرابي.
ألا فاسمعوا مني كلمة الحق:
لا تفرحوا لفتحي إلا فرح الصابرين، ولا تحزنوا لحالي إلا حزن العاملين. فإنني لم أُخلق لأُفتح بشروط الاحتلال، بل لأُصان بعز الإسلام، ولم تُرفع مآذني لتستأذن غاصبًا، بل لتصدح بنداء الحرية في سماء القدس.
يا أمة محمد…
لقد شهدتُ مواكب الفاتحين، ورأيتُ رايات المؤمنين، واحتضنتُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم دخلني متواضعًا، فطهّرني من دنس الاحتلال، وكتب لي عهد الأمان. وما زالت جدراني تحفظ خطواته، وتروي للأجيال قصة الفتح العادل، لتبقى شاهدًا على أن الليل – مهما طال – يعقبه فجرٌ لا محالة.
فلا تظنوا أن دموعي ضعف، ولا أن صبري استسلام؛ إنما هو رجاءٌ معقود بالله، وثقةٌ بوعده الحق: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
يا أحبابي…
عودوا إليَّ قلوبًا قبل أن تعودوا أقدامًا، واحملوني في دعائكم كما تحملونني في أشواقكم، وكونوا لي حراسًا بالإيمان، وسندًا بالدعاء، وأنصارًا بالحق. فإنني أنتظر يومًا تُفتح فيه أبوابي على أيديكم، يومًا يُرفع فيه الأذان حرًّا بلا قيد، وتصدح فيه التكبيرات بلا شرط، ويعود إليَّ الفتح الحقيقي الذي يليق بقدسيتي ومكانتي.
أنا الأقصى…
فرحتُ بعودتكم، فكونوا أهلاً لفرحتي، وحزنتُ لأَسري، فكونوا مفاتيح حريتي، فلا تتركوني وحيدًا بين الفرح والأنين، بل كونوا لي وعدًا صادقًا حتى ألقاكم محررًا، شامخًا، طاهرًا، كما أرادني الله رب العالمين، ولتعلمُنَّ نبأه بعد حين!