أكاذيب حقيقية.. هل استعادت أمريكا حقا هيبتها الجوية بمغامراتها في إيران؟

ماجدة القاضي تكتب

“اكاذيب حقيقية” هو عنوان الفيلم الامريكى الشهير الذى يختلق فيه البطل قصة كاملة بديله للتغطيه على عمله المخابراتي
تستطيع داخل قاعة السينما ومع كوب الفيشار ان تصدقه، او على الاقل تقبله من باب الاستمتاع للحظات، اما على ارض الواقع العقل له رأى مختلف

في العملية الأخيرة داخل إيران لإنقاذ الطيار الامريكى الذى سقط بطائرتة القتاليّة الأغلى في العالم ، يبدو أن هذا المنطق لم يعد حكرًا على الشاشة وان الولايات المتحدة تنقله إلى الواقع

عملية عسكرية أمريكية اخترقت العمق الإيراني، وسط تضارب واضح في الروايات حول خسائر جوية محتملة، وفي التوقيت نفسه او قبل نشر الروايه الأمريكية تحديدا عن بطولة إنقاذ الطيار جاء قرار بتقييد نشر صور الأقمار الصناعية. نحن امام وقائع متزامنة لا تنتج صورة واحدة، بل تفتح سؤالًا: هل ما نراه هو الحقيقة… أم النسخة التي يُراد لنا أن نراها؟

للإجابة، لا بد من العودة إلى اللحظة التي لا تزال تُشكّل مرجعية هذا النوع من العمليات: عملية مخلب النسر Operation Eagle Claw.

في أواخر 1979، وبعد اقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز 52 دبلوماسيًا، قررت إدارةالرئيس الامريكى جيمى كارتر تنفيذ عملية إنقاذ معقدة داخل إيران. لم تكن ضربة مباشرة، بل خطة متعددة المراحل تُدار بدقة عالية: طائرات نقل تتسلل إلى عمق الصحراء إلى نقطة عُرفت باسم “Desert One”، بالتزامن مع مروحيات تنطلق من حاملة طائرات في الخليج، يتم فيها التزود بالوقود، ثم نقل قوة خاصة إلى محيط طهران للاختباء، قبل اقتحام السفارة ليلًا وإخراج الرهائن جوًا.

على الورق، كانت الخطة معقدة لكنها قابلة للتنفيذ. في الواقع، انهارت قبل أن تصل إلى هدفها.

عاصفة رملية وهى تحديدا رياح الهبوب المعروفة في الخليج العربي أربكت المسار، مروحيات تعطلت أو فقدت طريقها، فانخفض العدد عن الحد الأدنى المطلوب. ومع تصاعد الارتباك، صدر قرار الإلغاء. لكن حتى الانسحاب لم يكن نظيفًا: مروحية اصطدمت بطائرة نقل، فانفجرت، وقُتل ثمانية جنود أمريكيين.

هنا لم يعد الفشل تقديرًا… بل واقعًا مفروضًا.

الأهم أن العملية كشفت خللًا عسكريًا عميقًا في ذلك الوقت: ضعف التنسيق بين الأفرع، تعقيد مفرط في الخطة، واعتماد على سلسلة طويلة من المراحل، كل منها يحمل احتمال الفشل. هذا الفشل كان نقطة تحول؛ أعاد بناء منظومة العمليات الخاصة الأمريكية، وغيّر طريقة إدارة هذا النوع من المهام هذا فى وقتها اعطى مؤشراً هاما وهو صعوبة وتعقيد الإنزال الجوى فى الاراضى الايرانيه .

لكن رغم كل ذلك، بقي عنصر حاسم لم يكن قابلًا للتغيير آنذاك: الحقيقة لم يتم رسمها وهندستها للجمهور . الحطام كان هناك، مرئيًا، موثقًا، يفرض روايته على أي خطاب سياسي يدعى غير ذلك .

اليوم، المشهد البطولى الامريكى مختلف جذريًا.

اختراق جوي يصل—بحسب المؤشرات—إلى عمق كبير داخل إيران، قرب أصفهان ، احتكاك ميداني، حديث عن خسائر محتملة… ثم اختفاء الدليل ولا صور للطيار الاسير يهلل بها الإعلام الامريكى . لا صور موثقة للمواقع ، لا حطام معروض، لا قدرة على التحقق المستقل. في اللحظة التي كان يُفترض أن يظهر فيها “الشاهد الثالث وهو صور الأقمار الصناعية التى خلال الشهر الماضى بأكملة من عمر هذه الحرب اعتمد عليها المحللون لتتبع الحرب تختفي كأداة تحقق، اى ان المصدر الوحيد للتوثيق في ظل تضارب المعلومات تم إغلاقه لتصبح الرواية الان أمريكية فقط.

لم نعد إذا أمام روايتين ودليل يفصل بينهما… بل أمام روايتين فقط.نصر امريكى ونفى ايرانى

وهنا تبرز أهمية حطام الطائرة المفقودة

غياب الحطام لا يمكن اعتباره مجرد نقص معلومات او انتهاء كامل لها ، بل مؤشر على أن ما يمكن إثباته قد تم التحكم فيه. في Operation Eagle Claw، كان تعدد الحطام وانتشاره دليلًا على تعدد الإخفاقات. أما اليوم، فحتى لو تعددت الطائرات المتضررة، فإن غياب الحطام يمنع تحويل ذلك إلى حقيقة قابلة للإثبات.

وهنا يظهر التحول الأخطر.وهو القدرة على التحكم في الصورة لخلق الرواية المناسبه ، في هذه الحالة، لا تقدم امريكا فقط عملية عسكرية لجمهور العالم المتشوق للأحداث ، بل تقدم نموذجًا لإدارتها: ما يُكشف عنه ، وما يُحجب. لمصلحتها ، وما يُترك غامضًا لدواعى الغموض الاستراتيجى الامريكى .

حجب صور الأقمار الصناعية لا يبدو مجرد إجراء أمني، بل أداة استراتيجية: لإخفاء الخسائر وخلق مساحه لصانع القرار للمخاطرة فيما بعد بدون محاسبة
وهنا يصبح الفارق بين الأمس واليوم واضحًا:

في 1980، فشلت الولايات المتحدة ولم تستطع إخفاء الفشل.
اليوم، حتى لو فشلت—أو تعثرت—يمكنها أن تتحكم في كيف سيرى هذا الفشل… أو ما إذا كان سيُرى أصلًا.
السؤال الان : هل استعادت الولايات المتحدة الامريكيه حقا هيبتها الجوية التى سقطت مع سقوط طائراتها في سماء ايران ام ان ما فعلته حقا هو اعادة رسم الواقع امام أعيننا بحفنة من الأكاذيب المنتقاة عن هذا الحدث بل وربما ما سيليه لاحقا من الاحداث لن يستطع احد لا رصدها ولا الحديث عنها لانه لايملك الدليل أمام الرواية الأمريكية المعدة بعناية