زلزال “هرمز”.. هل يلفظ النظام العالمي أنفاسه الأخيرة؟

صدمة ال 200 دولار كارثة عالمية

.. ما وراء أسعار النفط.. كيف ستؤدي حرب الخليج إلى خنق الذكاء الاصطناعي وتجويع “دول الجنوب”؟
.. 14 قنبلة في 3 أسابيع.. تفاصيل القدرة النووية الإيرانية التي ترعب واشنطن وتل أبيب

“نحن لا نتحدث عن أزمة عابرة، بل عن الارتطام الكبير.. العالم الذي نعرفه ينهار، وما يحدث في مضيق هرمز ليس مجرد مناوشات عسكرية، بل هو صاعق التفجير الذي سيحرق أخضر التكنولوجيا في وادى السيليكون  ويابس المحاصيل في دول الجنوب.”

بهذه الكلمات الصادمة والمباشرة، يفتح الخبير الاقتصادي محمود عبد الغني صندوق الرعب في حواره مع الإعلامي خالد السريتي، على منصة يوتيوب، واضعاً النقاط على حروف الأزمة التي تعصف بالشرق الأوسط وتلقي بظلالها السوداء على عواصم القرار العالمي.

بينما يراقب العالم شاشات البورصة، يرى “عبد الغني” ما وراء الأرقام؛ يرى برميلاً للنفط يتأهب لكسر حاجز الـ 200 دولار، ومخزونات استراتيجية عالمية تنزف حتى النخاع لتصل إلى “نقطة الصفر” في غضون أسابيع. لكن الكارثة لا تتوقف عند محطات الوقود، بل تمتد لتخنق “عقل العالم الجديد”؛ فالحرب التي تهدد منابع الغاز والهيليوم في الخليج هي ذاتها التي تهدد بقطع الشريان الأبهر عن الذكاء الاصطناعي، المحرك الوحيد لنمو الاقتصاد الأمريكي.

وفي قراءة عسكرية بنكهة اقتصادية، يفجر عبد الغني مفاجأة من العيار الثقيل: “إغلاق هرمز هو واقع مفروض بقوة التأمين لا بقوة السلاح”، محذراً من أن الرد النووي الإيراني ليس مجرد “بعبع” سياسي، بل هو سيناريو “الثلاثة أسابيع” الذي تملكه طهران لردع إسرائيل وواشنطن، في ظل عجز عسكري أمريكي عن اقتحام “جبال الجرانيت” الإيرانية.

والى نص الحوار: 

س: ما الذي يدفع البعض للحديث عن “نتائج كارثية” لتلك الحرب من الناحية الاقتصادية؟

ج: إن قراءة المشهد الحالي لا يمكن فصلها عن سوابق تاريخية كبرى في أسواق الطاقة؛ فالولايات المتحدة واجهت خلال العقود الماضية صدمتين رئيسيتين في هذا القطاع، الأولى عقب حرب أكتوبر 1973 عندما قامت المملكة العربية السعودية بوقف إمدادات النفط، وأيضاً عندما قامت “أوبك” بخفض الإنتاج، ما أدى إلى قفزة حادة في أسعار النفط من نحو 3 دولارات إلى 12 دولاراً للبرميل، ما بين ليلة وضحاها أي ما يقارب أربعة أضعاف. والثانية بعدها بحوالي 6 سنوات خلال الثورة الإيرانية 1979 حيث تكرر السيناريو بارتفاعات تكاد تكون مماثلة.

س : هل هناك خطورة على سلاسل الامداد؟

ج: أن ما يحدث حالياً يتجاوز مجرد “صدمة أسعار”، إلى تهديد هيكلي لسلاسل الإمداد العالمية، في ظل اضطراب تدفقات النفط والغاز من منطقة الخليج. ورغم أن “مضيق هرمز” لم يُغلق عسكرياً بشكل رسمي، فإن الواقع العملي يشير إلى تعطل جزئي في حركة الملاحة.
كما تشير التقديرات إلى أن سعر البرميل حالياً يصل تقريباً إلى 114 دولاراً، وهو السعر الرسمي في الأسواق، مع احتمال أن يكون السعر الفعلي أعلى من ذلك بكثير، وربما يصل إلى 150 دولاراً عند احتساب العوامل الخفية في السوق. وعندما نتحدث عن وصول سعر البرميل إلى 200 دولار، فإن هذا الرقم يعتبر تفاؤلياً؛ إذ يمثل ثلاثة أضعاف السعر قبل اندلاع الحرب، وليس أربعة أضعاف، ما يعني أن الأسعار قد تتجاوز هذا المستوى بسهولة، في سيناريو غير مسبوق.

س: هل الازمة الحالية تتطلب اجراءات استثنائية؟

ج: الأزمة الحالية تشهد قيام بعض الدول مثل تايلاند وباكستان وكوريا الجنوبية بتطبيق إجراءات غير معتادة نتيجة نقص الإمدادات، منها تقليص أيام العمل من المنزل، أو تحديد كميات شراء الوقود لكل فرد كنوع من “التموين الطاقي”. ومنذ تراجع حركة الملاحة في مضيق هرمز، لجأت الدول الكبرى إلى استخدام مخزونها الاستراتيجي لتعويض النقص، والذي يُقدّر بحوالي 15 إلى 20 مليون برميل يومياً، أي نحو 15-20% من الطلب العالمي.
هذه المخزونات تعمل كشبكة أمان مؤقتة، لكن من المتوقع أن تصل إلى حدودها الحرجة بين منتصف أبريل وأوائل مايو، ما يعني أن المرحلة القادمة قد تشهد صدمة أكبر بكثير.

س: كيف تؤثر أزمة الطاقة هذه على قطاعات التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي؟

ج: أزمة الطاقة الحالية لها انعكاسات مباشرة على قطاع الذكاء الصناعي، الذي يعتمد بشكل أساسي على الطاقة؛ فالتشغيل المكثف للذكاء الصناعي يتطلب كميات هائلة من الكهرباء، وبالتالي فإن ارتفاع أسعار النفط يعني ارتفاع تكلفة تشغيل هذه التقنيات.
الذكاء الصناعي أصبح عنصراً محورياً في الاقتصاد الأمريكي، إذ أنه مسؤول عن نحو 94% من نمو الناتج المحلي الإجمالي؛ أي أن أي تباطؤ فيه قد ينعكس مباشرة على نمو الاقتصاد الأمريكي، إضافة لذلك، فإن أكبر المستثمرين في الذكاء الصناعي هم دول الخليج (الإمارات، السعودية، الكويت وقطر)، وأي تقلب في موارد الطاقة قد يؤدي إلى تباطؤ في السوق العالمية للذكاء الصناعي، وبالتالي تأثير محتمل على البورصات الأمريكية.

علاوة على ذلك، فإن تشغيل الذكاء الصناعي يحتاج إلى مواد محددة بكميات كبيرة، من بينها غاز الهيليوم وحمض الكبريت؛ فنحو 30% من إنتاج الهيليوم العالمي يأتي من قطر، ونصف إنتاج حمض الكبريت في العالم يأتي من الخليج العربي، مما يجعل أي اضطراب هناك له تأثير مباشر على هذه الصناعة.

س: وماذا عن التداعيات على الأمن الغذائي العالمي؟

ج: ما يزيد المخاوف هو الاعتماد الكبير على أسمدة النيتروجين، التي تعتمد بشكل أساسي على الغاز الطبيعي في إنتاجها بالدول النامية، أو ما يُعرف بدول الجنوب. ويُقدر أن نصف الإنتاج العالمي من أسمدة النيتروجين يأتي من منطقة الخليج، وأي اضطراب في إمدادات الغاز هناك قد يؤدي إلى نقص حاد في الأسمدة، مما يهدد الأمن الغذائي ويؤدي إلى مجاعات محتملة في مناطق واسعة من العالم، هذا الاعتماد يجعل من القوى الكبرى مثل روسيا وأميركا لاعباً أساسياً في التحكم بسوق الأسمدة، مما يزيد من هشاشة النظام الغذائي العالمي.

س: هل إغلاق مضيق هرمز خيار واقعي؟ وما هي تبعاته على حركة الشحن والتأمين؟

ج: في الواقع المضيق لم يُغلق بشكل كامل، لكن شركات التأمين رفضت تغطية أي سفينة تمر في المنطقة، وعلى سبيل المثال، سفينة ثمنها 80 مليون دولار وتحمل بضائع بقيمة إجمالية حوالي 300 مليون دولار يمكن أن تكون معرضة للاستهداف بصواريخ أو طائرات مسيرة، وهو ما يجعل التأمين للمرور في المضيق محفوفاً بالمخاطر، والأمر الأكثر خطورة هو أن الحل العسكري لإعادة فتح المضيق مستبعد عملياً، إذ يتطلب نشر ملايين الجنود وشن حرب واسعة على إيران، وهو ما يجعل الخيارات العسكرية الأمريكية محدودة للغاية.

س: كيف تقيم القدرات العسكرية الإيرانية في مواجهة أي تدخل خارجي؟

ج: السيناريو العسكري معقد للغاية؛ فإيران تمتد مساحتها إلى نحو مليون وستمائة وخمسين ألف كيلومتر مربع مليئة بالجبال، والمنشآت الاستراتيجية مثل مصانع الصواريخ والمخازن تقع على عمق يصل إلى نحو 800 متر داخل صخور الجرانيت، ما يجعل استهدافها بالعمليات التقليدية شبه مستحيل.
والجيش الأمريكي يحتاج عملياً إلى نشر ملايين الجنود، وهو أمر غير وارد إلا في حرب عالمية شاملة، فإيران ليست دولة بسيطة او صغيرة؛ هي دولة حديثة متعلمة وتتمتع بقدرات عالية في البرمجة والاختراقات والهجمات الإلكترونية، وقد استخدمت تكنولوجيا الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة وعالية الدقة لضرب أهداف استراتيجية، والشركات الأمريكية اعترفت بسرقة التصميمات الإيرانية، وإيران لا تعتمد بشكل كامل على شركائها الخارجيين بل تحتفظ بالاعتماد الذاتي على التكنولوجيا المحلية.

س: وما هي الانعكاسات على الوضع المالي داخل الولايات المتحدة؟

ج: الولايات المتحدة تواجه أزمة مالية هي الأخطر منذ عقود؛ فالدين الحكومي ارتفع خلال فترة ولاية ترامب بنحو تريليون دولار إضافية في آخر خمسة أشهر ليصل إلى 39 تريليون دولار. ونحو 20% من إيرادات الحكومة يتم صرفها سنوياً على فوائد هذه الديون، اعتراف ترامب الأخير بعدم القدرة على تحقيق أهداف استراتيجية مثل فرض السيطرة على مضيق هرمز يعكس حدود النفوذ الأمريكي ويؤثر مباشرة على الثقة بالدولار كعملة احتياطية عالمية، مما قد يضطر الحكومة لطباعة المزيد من العملة، وهو ما سيؤدي إلى تضخم إضافي.

س: ماذا لو انتهت الحرب غداً.. هل ستحل المشكلة ويتدفق البترول ثانية؟

ج: حتى لو توقفت الحرب غداً، فإن المشاكل لن تنتهي على الفور؛ فإصلاح الأضرار لا يتم بين ليلة وضحاها. على حسب خبرتي العملية، يوجد في عقود شركات الطاقة بند يُعرف باسم “قوة قاهرة”؛ فعلى سبيل المثال، أعلنت قطر حالة (القوة القاهرة) لعقود الغاز الخاصة بها لمدة تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات لإصلاح الآبار المتضررة، ما يعني أن الانتعاش الفعلي سيستغرق سنوات.

س: كيف تتخيل نهاية الحرب وما سبب استبعادك لاستخدام أسلحة نووية ضد إيران؟

ج: أنا شخصياً متفائل رغم أن الطريق سيكون شاقاً وطويلاً، وبالنسبة لاحتمال استخدام أسلحة الدمار الشامل، فإن السيناريو الواقعي صعب ولكنه ممكن؛ ففي حال استخدام أي سلاح نووي ضد إيران، من المتوقع أن ترد إيران خلال ثلاثة أسابيع بأسلحة نووية ضد إسرائيل، نظراً لقدرتها على إنتاجها بسرعة.

س: لماذا لم تجرِ إيران تجارب نووية من قبل؟ وكيف تقيم مخزونها الحالي؟

ج: الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية استخدمت القنبلة النووية دون اختبار مسبق في المرة الأولى، وإيران تمتلك نحو 440 كيلو غراماً من اليورانيوم بنسبة تخصيب 60%، ولديها كل المستلزمات لرفع التخصيب إلى 90%، ما يمكنها من إنتاج 14 قنبلة نووية خلال فترة تتراوح بين أسبوعين إلى ثلاثة أشهر، وهي كافية لضرب أهداف استراتيجية في إسرائيل، حيث يتركز 60% من السكان في حيفا وتل أبيب، وعدم إنتاج مثل هذه القنابل سيكون في رأيي قمة الجنون والاستهتار بمقدرات ومستقبل الشعب، وهذا يضع إيران في موقف قوة استراتيجية.