بعد تصريحات ترامب..الأسواق تعيد رسم اتجاهاتها

التوترات تتراجع مؤقتًا والمستثمرون يعيدون تسعير المخاطر

استهلت الأسواق العالمية تعاملات اليوم الاثنين 23 مارس بتذبذبات حادة وعدم استقرار على إثر توقعات قاتمة، حيث رجّح المستثمرون تصعيدًا عسكريًا وشيكًا بين “الولايات المتحدة” و”إيران” وذلك عقب “مهلة الـ48 ساعة”، ما دفع أسعار النفط للصعود الحاد في بداية التداولات، مقابل ضغوط بيعية قوية على أسواق الأسهم، ما أثار مخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة العالمية، خاصة مع أهمية “مضيق هرمز” في تجارة النفط والغاز، ولكن ما حدث بعد ذلك كان مغايرًا.

تصريحات ترامب تقلب المعادلة..

تغيّر المشهد بشكل جذري خلال ساعات، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” تأجيل الضربات العسكرية لمدة خمسة أيام، مشيرًا إلى إجراء محادثات مع طهران وصفها بأنها “جيدة ومثمرة للغاية”، هذا التحول المفاجئ بدد مخاوف التصعيد الفوري، وأعاد توجيه دفة الأسواق من سيناريو الحرب إلى احتمالات التهدئة، ما أدى إلى إعادة تسعير سريعة للمخاطر الجيوسياسية.

أسواق الأسهم تتنفس الصعداء..

استجابت أسواق المال العالمية بـ “ديناميكية عالية” و“انعكاس سعري عنيف” للتحول المفاجئ في المشهد الجيوسياسي، حيث شهدت التداولات في نيويورك ولندن وفرانكفورت موجة صعود قوية فور إعلان واشنطن تأجيل ضرباتها العسكرية، ففي وول ستريت، قاد مؤشر “ناسداك” المثقل بأسهم التكنولوجيا المكاسب بارتفاع تجاوز 2.15%، مدفوعاً بتراجع عوائد السندات، بينما قفز مؤشر “داو جونز الصناعي” بنحو2.40% ليخرج من مناطق الخطر التي هددته الأسبوع الماضي، بالتزامن مع ارتفاع “إس آند بي 500” بنسبة 2.17% وسط تفاؤل عام بعودة الاستقرار لسلاسل الإمداد.

وأيضا لم تكن أوروبا بمنأى عن هذا الارتداد؛ إذ عكست الأسهم الأوروبية خسائرها الصباحية الحادة لتحقق مكاسب ملحوظة، حيث تصدر مؤشر “داكس” الألماني المشهد بارتفاع 1.9%، وتبعه “إيبيكس” الإسباني بنسبة 1.4% و“كاك 40” الفرنسي بنحو 1%،وفي لندن، نجح مؤشر “فوتسي 100” في تقليص خسائره العنيفة لينهي الجلسة في منطقة الاستقرار، مما يعكس عودة سريعة لشهية المخاطرة لدى المستثمرين عالمياً، مع تراجع احتمالات اندلاع صراع واسع قد يعصف بقطاع الطاقة ومعدلات التضخم.

أسعار النفط تسقط بأكثر من 10%..

شهدت أسواق الطاقة العالمية تحولاً حاداً في اتجاهات التداول، حيث تبددت “علاوة المخاطر الجيوسياسية” التي رفعت الأسعار لمستويات قياسية مؤخراً؛ إذ هوى “خام برنت” ليتراجع إلى مستويات 103 دولارات للبرميل، بعد أن كان قد استهل الجلسة على مكاسب قوية عند مستويات الـ107 دولار والتى أثارت المخاوف من صدمة تضخمية جديدة، ويتم تداوله حاليا (وقت كتابة التقرير) عند مستويات الـ 96.23 دولار وبهذا يكون قد انخض بنسبة تفوق الـ10% منذ بداية تداولات اليوم، ولم يكن خام غرب تكساس الوسيط (WTI) بمعزل عن هذه الموجة، حيث سجل هبوطاً مماثلاً كسر به حاجز الـ 90 دولار، ليتداول قرب مستويات الـ88.50 دولاراً(وقت كتابة التقرير)،ليكون بذلك قد هبط بنسبة 10.32%، كما شهدت أسواق الطاقة البريطانية انفراجة ملموسة؛ حيث سجلت أسعار الغاز في المملكة المتحدة انخفاضاً ملحوظًا أيضًا، ويعكس هذا الانحدار السريع في المنحنى السعري إعادة تقييم شاملة من قبل المتداولين، فبعد أن كانت الأسواق تُسعر سيناريو “الإغلاق الكامل” لـ“مضيق هرمز” واستهداف البنية التحتية الإيرانية، أدت تصريحات التهدئة إلى انحسار فوري لمخاوف تعطل التدفقات النفطية.

الذهب والدولار يفقدان بريقهما..

لم تتوقف ارتدادات التهدئة الجيوسياسية عند حدود النفط والأسهم فحسب، بل امتدت لتطال الأصول الدفاعية التي فقدت جاذبيتها سريعاً مع تراجع نبرة التصعيد؛ إذ فقد المعدن الأصفر بريقه كملجأ آمن للمستثمرين، حيث هبطت أسعار الذهب بنحو 2.5% لتستقر عند مستويات 4,356 دولاراً للأونصة(وقت كتابة التقرير)، مدفوعة بعمليات تسييل واسعة للمراكز التحوطية، وفي سوق العملات، تراجع الدولار الأميركي بنسبة 0.3% أمام سلة من العملات الرئيسية، بعد أن قلّ طلب المستثمرين على “العملة الخضراء” كأداة للتحوط من التقلبات العنيفة.

رهانات الأسواق بين الحرب والتهدئة..

تُجسد هذه التحركات الدراماتيكية حساسية الأسواق المفرطة لكل ما هو جيوسياسي، حيث انتقلت بوصلة التداول خلال ساعات معدودة من تسعير “سيناريو الكارثة” النفطية إلى المراهنة على انفراجة دبلوماسية وشيكة، ورغم هذا الارتداد الإيجابي، إلا أن شبح القلق و”عدم اليقين” مازال يجول في أرجاء جميع أسواق المال والسلع، بانتظار ما ستسفر عنه الساعات القادمة ، وبينما تمنح التهدئة الحالية الأسواق حيزًا مؤقتاً لالتقاط الأنفاس، فإن أي انتكاسة أو تعثر في المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران قد تعيد مؤشرات الرعب لقممها القياسية سريعاً، مما يجعل المرحلة الراهنة واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في رسم السياسات الاستثمارية والاقتصادية.