التهديدات الإيرانية لدول الخليج واستراتيجية الصقور
تداعيات إقليمية ودولية
- dr-naga
- 19 مارس، 2026
- المشاريع العالمية, تقارير
- إيران, التداعيات الإقليمية والدولية, السيناريوهات, النظام, دول الخليج, مضيق هرمز
تشهد منطقة الخليج العربي تصعيداً غير مسبوق في حدة التهديدات الإيرانية، مع اتساع رقعة الهجمات الصاروخية والجوية الإيرانية لتشمل سبع دول عربية، في تحول استراتيجي يضع دول مجلس التعاون في قلب المواجهة بين طهران وواشنطن. ويهدف هذا التقرير إلى تحليل دوافع هذا التصعيد، والتمييز بين ما هو قرار مخطط استراتيجياً وما هو رد فعل تكتيكي من صقور النظام الإيراني، مع رصد الاستهدافات التالية المتوقعة وتداعياتها على الأمن الإقليمي.
أولاً: الوقائع المعلنة – اتساع رقعة الهجمات الإيرانية
منذ 28 فبراير 2026، تعرّضت سبع دول عربية لما لا يقل عن 2756 صاروخاً وطائرة مسيّرة إيرانية، إضافة إلى طائرتين مقاتلتين، وفقاً لبيانات رسمية صادرة عن هذه الدول حتى 7 مارس 2026. وتوزعت الهجمات على النحو التالي: الإمارات العربية المتحدة تلقت النصيب الأكبر من الهجمات، تلتها الكويت والبحرين وقطر والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان.
ووفقاً لتقرير معهد الدوحة للدراسات السياسية، جاءت هذه الهجمات رداً على العدوان الإسرائيلي الأميركي على طهران الذي أسفر عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين والأمنيين، بهدف رفع تكلفة المواجهة على واشنطن وحلفائها، وإحداث صدمة للاقتصاد العالمي بما يؤدي إلى وقف الحرب.
ثانياً: دوافع استهداف إيران لدول الخليج – قراءة استراتيجية
يقول مروان قبلان، مدير وحدة الدراسات السياسية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في تحليل للجزيرة نت: “الفكرة كانت تقوم على رفع كلفة الحرب على دول الخليج لدفع هذه الدول إلى الضغط على الرئيس الأميركي دونالد ترمب من أجل وقف الحرب، لكن ذلك لم يتحقق”.
وتتضح الدوافع الاستراتيجية الإيرانية من خلال ثلاثة محاور رئيسية:
المحور الأول: ربط مصير المنطقة بمصير إيران
من خلال توسيع نطاق الحرب لتشمل دول الخليج العربية، تسعى إيران لربط مصير المنطقة بها، ورفع تكلفة الحرب على واشنطن وحلفائها، وإرباك الاقتصاد العالمي للضغط من أجل وقف الحرب. وتتعامل طهران مع الثقل الطاقوي الخليجي بوصفه عنصر ضغط استراتيجي، حيث تربط بين استهدافها للوجود الأميركي في دول المجلس وتكلفة أي اضطراب يلحق مضيق هرمز، الذي يمر عبره قرابة خمس إمدادات النفط والغاز العالمية.
المحور الثاني: استغلال البنية التحتية الاقتصادية كأداة ضغط
كشفت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن إيران تنفذ خطة مفصلة صاغها المرشد الأعلى علي خامنئي، عقب الحرب الإسرائيلية التي استمرت 12 يوماً ضد إيران في يونيو 2025، تهدف إلى توسيع رقعة الحرب إقليمياً، عبر ضرب أهداف في المنطقة ومنشآت الطاقة، وإحداث اضطراب في الأسواق العالمية، رداً على الهجوم الأميركي الإسرائيلي.
ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع داخل النظام الإيراني قوله: “لم يكن لدينا خيار سوى التصعيد وإشعال حريق كبير ليراه الجميع، عندما تم تجاوز خطوطنا الحمر في انتهاك لجميع القوانين الدولية، ولم يعد بإمكاننا الالتزام بقواعد اللعبة”.
المحور الثالث: لا مركزية القرار العسكري كآلية بقاء
يقول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في تصريحات تلفزيونية: “الوحدات العسكرية الإيرانية تعمل الآن بشكل مستقل ومعزولة إلى حد ما، وتتصرف بناءً على التعليمات العامة الموجهة إليها مسبقاً”.
وتعكس هذه المقاربة دروس حرب يونيو 2025، حين فوجئت طهران بعمق الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي وقدرته على استهداف كبار القادة في الساعات الأولى من النزاع. أما هذه المرة، فجاء الرد سريعاً بعد مقتل خامنئي وكبار مسؤولي القطاع العسكري والدفاعي، عبر تفويض الوحدات العسكرية بالاستقلالية التشغيلية لمنع شل المنظومة القتالية.
ثالثاً: هل هي خطة مخطط لها أم ردود فعل من صقور النظام؟
هذا السؤال الجوهري يثير جدلاً تحليلياً كبيراً، وتشير المعطيات إلى وجود سيناريوهين متداخلين:
السيناريو الأول: خطة مخططة سلفاً
تشير مصادر متعددة إلى أن استهداف الخليج لم يكن ارتجالياً، بل جزءاً من استراتيجية صاغها المرشد الراحل علي خامنئي. وتقول صحيفة إندبندنت عربية نقلاً عن مصادر مطلعة: “تتواصل المسيرات والصواريخ الإيرانية في استهداف دول الخليج، في تصعيد يتجاوز حدود الرد التقليدي ويعكس استراتيجية يبدو أنها أُعدت سلفاً لمواجهة سيناريو استهداف القيادة الإيرانية”.
ويؤكد هذا التوجه تصريح علي رضا أعرافي، عضو مجلس القيادة الانتقالي الإيراني، للتلفزيون الإيراني: “هذه الحرب تمضي كما خطط لها المرشد الأعلى”.
السيناريو الثاني: ردود فعل من صقور النظام
في المقابل، يرى محللون أن استمرار الهجمات رغم اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يشير إلى انقسام داخل القيادة الإيرانية. ويقول مروان قبلان: “عندما يخرج الرئيس ويعلن أن إيران قررت وقف الهجمات على دول الجوار، وأن مجلس القيادة المؤقت اتخذ هذا القرار، ثم لا يتم الالتزام به، فهذا يعني أن هذه القيادة لا تسيطر فعليًا على القيادات العسكرية، خصوصًا الحرس الثوري”.
ويضيف قبلان أن هناك احتمالين لتفسير استمرار الهجمات: الأول يتمثل في وجود انقسام داخل القيادة الإيرانية حول جدوى استمرار الهجمات على دول الخليج، إذ توجد تيارات تتبنى منطق “إذا ذهبنا إلى الهاوية فسنأخذ الجميع معنا”. أما الاحتمال الثاني فيتمثل بوجود تيار آخر أكثر براغماتية داخل الإدارة الإيرانية، يمثله الرئيس بزشكيان، لكن الظروف لم تساعد هذا التوجه.
ويشير تقرير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى أن “التناقض الإيراني بلغ ذروته حينما اعتذر الرئيس الإيراني عن استهداف دول الخليج العربية، وتعهد بعدم مهاجمتها مستقبلًا، لكن طهران استأنفت بعد ساعات من هذا الإعلان هجماتها؛ وهو ما يشير إلى وجود انقسامات في النخبة الحاكمة، وإلى عدم سيطرة النخبة السياسية على الحرس الثوري الإيراني”.
رابعاً: الاستهدافات التالية المتوقعة – تحليل استشرافي
بناءً على نمط الهجمات الحالية والتصريحات الإيرانية، يمكن توقع المسارات التالية:
المسار الأول: توسيع الاستهداف ليشمل البنية التحتية الحيوية
يتوقع خبراء أن تركز إيران في المرحلة القادمة على استهداف منشآت الطاقة والموانئ والمطارات الحيوية في دول الخليج، بهدف تعطيل سلاسل الإمداد العالمية وزيادة الضغط الاقتصادي على الولايات المتحدة وحلفائها. وقد صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن “إيران ستستخدم كافة قدراتها الدفاعية والعسكرية للدفاع عن الشعب الإيراني”، في إشارة إلى عدم استبعاد أي خيار.
المسار الثاني: استهداف المصالح الدبلوماسية والتجارية الأميركية
قال عراقجي في تصريحات للجزيرة: “لا يمكن لنا أن نضرب هدفًا في الولايات المتحدة، لذلك علينا أن نستهدف قواعدهم في المنطقة”. وبناءً على هذا المنطق، قد تشهد الفترة القادمة تصعيداً في استهداف السفارات الأميركية والشركات الأميركية العاملة في دول الخليج، وفنادق ومجمعات سكنية يقيم فيها أميركيون.
المسار الثالث: تفعيل الوكلاء الإقليميين
يشير تقرير معهد الدوحة إلى أن وكلاء طهران انخرطوا هذه المرة في القتال، حيث أطلق حزب الله صواريخ على شمال إسرائيل، واستهدفت ميليشيات عراقية قاعدة أميركية شمال العراق. وقد يتوسع هذا النمط ليشمل هجمات أكثر تنسيقاً من قبل الوكلاء الإيرانيين في اليمن والعراق ولبنان ضد مصالح أميركية وخليجية.
المسار الرابع: استهداف حركة الملاحة في مضيق هرمز
رغم نفي إيران نيتها إغلاق مضيق هرمز حالياً، إلا أن التصعيد المستمر قد يدفعها نحو خيارات أكثر خطورة. ويقول تقرير رويترز: “الحرب على إيران تسبب اضطرابات كبرى في إمدادات النفط والغاز”، وقد يؤدي أي تهديد جدي لمضيق هرمز إلى رفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، مما يزيد الضغط على الاقتصاد العالمي.
خامساً: التداعيات الإقليمية والدولية
على المستوى الأمني، شددت دول الخليج في بياناتها على أن هذه الهجمات تمثل اعتداءً مباشرًا على أراضيها ومنشآتها المدنية والحيوية، وأكدت احتفاظها بحقها القانوني في الرد وفقًا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
وعلى المستوى الاقتصادي، أدى استمرار الهجمات إلى ارتفاع أسعار خام برنت بنحو 35 في المئة لتصل إلى 93 دولارًا أميركيًا للبرميل، مع تقديرات بإمكانية وصولها إلى 150 دولارًا إذا استمرت الحرب لأسبوع إضافي، وقفزت أسعار الغاز في أوروبا بأكثر من 50 في المئة.
وعلى المستوى السياسي، بدأت دوائر خليجية تشكك في جدوى القواعد الأميركية، إذ لم يعد الوجود العسكري الأميركي يضمن الحماية الفعلية لدول الخليج في حال تعرضها لهجوم، بل أصبحت هذه الدول هي التي تحمي هذا الوجود بدلًا من أن يحميها.
سادساً: خاتمة وتوصيات
أولاً، التمييز بين الخطاب والفعل: في ظل التناقض بين الاعتذارات الرسمية الإيرانية واستمرار الهجمات الميدانية، يجب على دول الخليج التعامل مع التهديدات الإيرانية بناءً على الأفعال وليس الأقوال.
ثانياً، تعزيز التكامل الدفاعي: تحتاج دول مجلس التعاون إلى تسريع تطوير منظومة دفاع جوي إقليمي متكاملة، قادرة على التصدي للهجمات الصاروخية والمسيرات بشكل أكثر فاعلية.
ثالثاً، إدارة الاتصالات الاستراتيجية: يجب على دول الخليج توضيح موقفها الرافض لاستخدام أراضيها في العدوان على إيران، مع التأكيد على حقها في الدفاع عن نفسها وفقاً للقانون الدولي.
رابعاً، الاستعداد للتقلبات الاقتصادية: يُنصح متخذي القرار الاقتصادي بمراقبة مؤشرات أسواق الطاقة، ووضع خطط طوارئ لضمان أمن الإمدادات في حال استمرار التصعيد.
خامساً، دعم المسارات الدبلوماسية: تبقى القنوات الدبلوماسية الخيار الأمثل لاحتواء الصراع، مع ضرورة إشراك دول الخليج في أي مفاوضات إقليمية لضمان مراعاة مصالحها الأمنية.
المصادر الموثقة
معهد الدوحة للدراسات السياسية، تقرير “الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربية: الدوافع والتداعيات المحتملة”، 8 مارس 2026.
إندبندنت عربية، تقرير “استهداف الخليج… خطة أعدها خامنئي مسبقاً”، 4 مارس 2026.
الجزيرة نت، تحليل “الحرب على إيران ومأزق الخليج الإستراتيجي”، 8 مارس 2026.
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تقدير موقف حول استمرار الهجمات الإيرانية، 7 مارس 2026.
فايننشال تايمز، تقرير عن الخطة الإيرانية لتوسيع الحرب إقليمياً، مارس 2026.
رويترز، تغطية حول تأثير الحرب على إمدادات النفط والغاز، 3 مارس 2026.
سي إن إن العربية، تقرير عن تصريحات عباس عراقجي حول استهداف القواعد الأميركية، 1 مارس 2026.
مجلس التعاون لدول الخليج العربية، البيان الصادر عن الاجتماع الاستثنائي للمجلس الوزاري، 1 مارس 2026.
سكاي نيوز عربية، تقرير عن ارتفاع أسعار النفط بسبب التوترات الإقليمية، مارس 2026.
بي بي سي عربي، تحليل “لماذا تستمر إيران في استهداف دول الخليج العربية؟”، مارس 2026.
تنويه أخلاقي: يلتزم هذا التقرير بمبادئ الدقة والموضوعية، ويُفرّق بوضوح بين الحقائق المعلنة، والتصريحات الرسمية، والتحليلات المستندة إلى خبراء. جميع الآراء المنسوبة مُرفقة بأسماء أصحابها ومناصبهم. المعلومات محدثة حتى 17 مارس 2026، وقد تتطور الأحداث بشكل يفوق سرعة التوثيق الإعلامي. للاستفسار أو التصحيح، يمكن التواصل مع وحدة التحقيقات عبر القنوات الرسمية للمؤسسة.
مستفاد من الذكاء الاصطناعي