لماذا تضحي الولايات المتحدة بمصالحها من أجل إسرائيل؟

نبهان خريشه يكتب

ليس من السهل التعامل مع تصريح وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، الذي قال فيه: «نحن المسيحيون إلى جانب أصدقائنا اليهود وجيشهم العظيم في إسرائيل نحتاج إلى حمل سيف التمسك بالقيم الأمريكية، ويجب علينا دحر الإسلاموية ثقافيا وسياسيا وجغرافيا»، بوصفه مجرد زلة خطابية أو تعبيرا سياسيا عابرا. فهذه الكلمات تكشف عن بنية فكرية عميقة تقف خلف كثير من السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط. إنها بنية فكرية تعكس بوضوح حضور الصهيونية المسيحية، بوصفها أحد أهم المحركات الأيديولوجية للحروب التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة، بما في ذلك الحرب الحالية على إيران.
فرغم أن الخطاب الرسمي الأمريكي يقدم هذه الحروب باعتبارها دفاعا عن الأمن القومي الأمريكي، أو حماية للنظام الدولي، أو مواجهة لما يسمى الإرهاب، فإن قراءة أعمق لمسار السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تظهر مفارقة لافتة. فالكثير من هذه الحروب لم تخدم المصالح الاستراتيجية المباشرة للولايات المتحدة، بل أضرت بها سياسيا واقتصاديا وأمنيا. هذه المفارقة كانت محور كتاب مهم للكاتبة الأمريكية غريس هالسل بعنوان «إجبار يد الله»، تقدم فيه تحليلا جريئا يذهب إلى أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، لا يمكن فهمها من خلال الحسابات الواقعية التقليدية وحدها، بل من خلال تأثير الصهيونية المسيحية، التي نجحت في توجيه القرار السياسي الأمريكي، بما يخدم إسرائيل، حتى عندما يتعارض ذلك مع مصالح الولايات المتحدة نفسها.

عندما يصبح الصراع وسيلة لتحقيق تصور لاهوتي عن نهاية العالم، فإن الحروب لا تعود مجرد أدوات لتحقيق مصالح محددة، بل تتحول إلى جزء من عقيدة دينية لا ترى في السلام هدفا نهائيا

هذا الطرح يفسر كثيرا من التناقضات التي تبدو غير مفهومة في السلوك الأمريكي. فالحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة، وحتى اليوم، كلفتها تريليونات الدولارات وأضعفت صورتها الدولية، وعمقت العداء الشعبي لها في العالم الإسلامي. ومع ذلك استمرت هذه السياسات دون مراجعة جدية. السبب كما تشير هالسل وغيرها من الباحثين، ليس مجرد نفوذ اللوبي الإسرائيلي، بل وجود قاعدة دينية وثقافية واسعة داخل المجتمع الأمريكي، تؤمن بأن قيام إسرائيل وقوتها شرط أساسي لتحقيق نبوءات توراتية تتعلق بنهاية العالم. لفهم هذه الظاهرة يجب العودة إلى الجذور التاريخية للصهيونية نفسها. فالرواية الشائعة تصور الصهيونية باعتبارها حركة يهودية نشأت في أوروبا في القرن التاسع عشر على يد ثيودور هرتزل، لكن هذه الرواية تتجاهل حقيقة تاريخية مهمة، وهي أن فكرة عودة اليهود إلى فلسطين، كانت في الأصل فكرة مسيحية بروتستانتية، قبل أن تتحول إلى مشروع سياسي يهودي. فمع الإصلاح الديني في أوروبا في القرن السادس عشر، وظهور مارتن لوثر، بدأت قراءة جديدة للكتاب المقدس تضع الأسفار اليهودية في قلب العقيدة المسيحية البروتستانتية. هذه القراءة أعادت إحياء التصورات التوراتية المتعلقة بأرض الميعاد، وعودة اليهود إليها باعتبارها جزءا من الخطة الإلهية للتاريخ.
بهذا المعنى يمكن القول إن الصهيونية اليهودية كانت إلى حد كبير، نتاجا فكريا للمناخ الديني البروتستانتي، الذي سبق ظهورها بثلاثة قرون. فقد تبنى العديد من المفكرين والقساوسة البروتستانت في أوروبا فكرة إعادة اليهود إلى فلسطين، قبل وقت طويل من ظهور الحركة الصهيونية الحديثة. وعندما ظهرت هذه الحركة في نهاية القرن التاسع عشر، وجدت أرضية فكرية ودينية مهيأة في الغرب البروتستانتي لدعم مشروعها. لذلك لم يكن الدعم البريطاني للمشروع الصهيوني في وعد بلفور عام 1917 مجرد قرار سياسي، بل كان انعكاسا لتيار ديني وفكري واسع داخل النخبة البريطانية.
هذه الخلفية التاريخية، تساعد على فهم التحالف الوثيق بين إسرائيل والتيارات الإنجيلية في الولايات المتحدة اليوم. فالصهيونية المسيحية ليست مجرد تعاطف ديني مع اليهود، بل رؤية لاهوتية متكاملة، ترى في قيام إسرائيل خطوة ضرورية لتحقيق سيناريو ديني يتعلق بنهاية التاريخ. وفقا لهذه الرؤية، يجب أن يجتمع اليهود في فلسطين، وأن تندلع سلسلة من الحروب الكبرى في المنطقة، تنتهي بما يسمى معركة هرمجدون، التي تمثل في المخيال الديني الإنجيلي، المعركة النهائية بين قوى الخير والشر قبل عودة المسيح. من هذا المنظور تبدو الكثير من السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط مفهومة بشكل مختلف، فالدعم غير المشروط لإسرائيل ليس مجرد تحالف استراتيجي، بل جزء من تصور ديني يرى في إسرائيل أداة لتحقيق خطة إلهية. والحروب المتكررة في المنطقة، يمكن أن تُفهم في إطار ما يسميه بعض الباحثين «لاهوت الانفجار المقدس»، أي الاعتقاد بأن تصاعد الصراعات في الشرق الأوسط يمهد الطريق لتحقيق النبوءات المتعلقة بنهاية العالم. وفي السنوات الأخيرة، أصبح تأثير هذا التيار أكثر وضوحا في السياسة الأمريكية، خاصة خلال إدارة دونالد ترامب، فقد ضمت إدارته شخصيات معروفة بانتمائها إلى التيار الإنجيلي الصهيوني، الذي يرى في إسرائيل مركزا لتحقيق النبوءات التوراتية. القرارات التي اتخذتها تلك الإدارة في ولاية ترامب الأولى، مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، لم تكن مجرد خطوات سياسية، بل كانت بالنسبة إلى كثير من مؤيديها إنجازات دينية تحقق وعودا توراتية طال انتظارها. في هذا السياق، يمكن قراءة التصريحات التي تتحدث عن تحالف المسيحيين واليهود ضد ما يسمى الإسلاموية، بوصفها تعبيرا عن تصور حضاري وديني، يرى الصراع في الشرق الأوسط، باعتباره مواجهة بين معسكرات دينية وليس مجرد نزاع سياسي. هذه اللغة تكشف أن بعض صناع القرار في واشنطن، ينظرون إلى المنطقة من خلال عدسة لاهوتية تتجاوز الحسابات الواقعية التقليدية. الحرب الحالية على إيران يمكن أيضا فهمها ضمن هذا الإطار الأوسع. فإيران في المخيال الصهيوني المسيحي، تمثل أحد الأطراف الرئيسية في الصراع، الذي يسبق معركة هرمجدون، لذلك فإن مواجهتها ليست مجرد مسألة أمن إقليمي، بل جزء من سردية دينية ترى في تصاعد التوترات خطوة ضرورية في المسار التاريخي الذي يقود إلى النهاية الكبرى.
إن أخطر ما في هذا المنطق، هو أنه يحول السياسة الدولية إلى مسرح لتحقيق نبوءات دينية. فعندما يصبح الصراع وسيلة لتحقيق تصور لاهوتي عن نهاية العالم، فإن الحروب لا تعود مجرد أدوات لتحقيق مصالح محددة، بل تتحول إلى جزء من عقيدة دينية لا ترى في السلام هدفا نهائيا، بل مرحلة مؤقتة قبل الانفجار الكبير. لهذا السبب فإن فهم الصهيونية المسيحية، أصبح ضرورة لفهم كثير من التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط اليوم. فهذه الأيديولوجيا لم تعد مجرد تيار ديني هامشي، بل أصبحت أحد العوامل المؤثرة في صنع القرار داخل أقوى دولة في العالم. وعندما تتقاطع هذه الرؤية اللاهوتية مع القوة العسكرية والسياسية للولايات المتحدة، فإن نتائجها لا تبقى محصورة في المجال الفكري، بل تتحول إلى سياسات وحروب تعيد تشكيل خريطة المنطقة. إن تصريح وزير الحرب الأمريكي، لا يكشف فقط عن موقف سياسي من الإسلاموية كما قيل، بل يكشف عن رؤية أعمق ترى العالم من خلال تحالف ديني بين المسيحية الصهيونية واليهودية الصهيونية في مواجهة الآخر. هذه الرؤية هي التي تفسر، لماذا تبدو بعض الحروب في الشرق الأوسط، وكأنها تسير بعيدا عن منطق المصالح التقليدية، وتقترب أكثر من منطق النبوءات والأساطير الدينية.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول، إن ما يجري في المنطقة ليس مجرد صراع جيوسياسي بين دول، بل هو أيضا صراع بين رؤى للعالم. إحداها رؤية سياسية واقعية تبحث عن مصالح وحدود ونفوذ، والأخرى رؤية لاهوتية تعتقد أن التاريخ يسير نحو لحظة «انفجار مقدس» في الشرق الأوسط. وعندما تلتقي هذه الرؤية الثانية مع القوة العسكرية والسياسية الأمريكية فإن الشرق الأوسط، يتحول إلى ساحة اختبار لنبوءات دينية قديمة، ما زالت حتى اليوم تشكل جزءا من العقل السياسي لبعض القوى المؤثرة في واشنطن.

القدس العربي