هندسة النفوس في زمن البلاء: فلسفة القرآن في فقه الابتلاء

عبد العزيز محمد الجابر يكتب

في أوقات الاضطراب التي تعصف بالمجتمعات، حين يتسلل الخوف إلى القلوب ويختل الاستقرار النفسي تحت وطأة الأزمات، تتبدل تفاصيل الحياة قبل أن تتبدل عناوينها.

تغدو الحواس في حالة استنفار لا تهدأ: باب يغلق بقوة فيرتجف القلب كأنه صدى دوي بعيد، وطرقة مفاجئة على الباب توقظ في الداخل ذاكرة أصوات لا تنسى. بل قد يحدث ارتطام نافذة بفعل الريح، أو سقوط زجاجة على الأرض، ثم رجفة تسري في الجسد قبل أن يستوعب العقل المرهق أنه صوت عابر.

وهكذا تتحول الأصوات البسيطة في زمن الحرب إلى إشارات ذعر تملأ الفراغ، ويصير الليل، الذي جعل سكنا، مساحة ترقب أكثر منه مساحة راحة.

في زمن الحرب، تتكاثر الأسئلة وتضيق الإجابات، لكن القرآن لا يعدنا بعالم بلا امتحان؛ إنما يعدنا بقلب أقوى من الامتحان، يربينا على أن الصبر ليس جمودا، بل صمودا واعيا

في هذه اللحظات تتجه الأنفس بطبعها إلى سؤال وجودي حاد: كيف يواجه الإنسان هذه الساعات العصيبة؟ وكيف يحفظ توازنه الوجداني وهو يرى القلق يملأ الأفق؟ هنا يأتي التوجيه القرآني لا ليسكن الألم فحسب، بل ليعيد تشكيل رؤية الإنسان لماهية المعاناة؛ فلا يراها فوضى عابثة، بل يراها مدرسة إلهية لتهذيب النفس وصناعة الثبات.

ولهذا يجيء النداء القرآني أولا كحبل نجاة حين تتشقق الأرض تحت الأقدام: ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين﴾ (البقرة: 153).

إن الاستعانة بالصبر والصلاة ليست شعارا عاطفيا، بل منظومة أمان داخلي تعيد ترتيب الداخل حين يضطرب الخارج. فالصبر ليس تجلدا باردا، بل يقظة تضبط الهلع كي لا يقود القرار، والصلاة ليست مجرد أداء، بل صلة ترمم القلب كلما تصدع، وتعيده إلى مركزه الأعلى؛ فحين يتصل المحدود بالقوة المطلقة، يخف ثقل الأشياء في النفس، وتنكسر هيبة الخوف في الداخل.

وهنا تفهم معية الله لا كلفظ مجرد، بل كحقيقة تربوية: أن تواجه الحياة وأنت في حضانة ربك؛ فإذا استقر هذا المعنى انحسر الفزع، وصارت الأحداث، مهما اشتدت، أقل قدرة على تكسير الروح.

وهذا قريب مما يشرحه الشيخ الشعراوي في دلالة المعية، وأنها تمنح القلب شجاعة لا تستمدها من الأسباب وحدها، بل من الثقة بمن بيده الأسباب.

ثم يفتح القرآن نافذة المعنى أمام صدمة الفقد، لئلا يكون الألم خاتمة الحكاية: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات ۚ بل أحياء ولكن لا تشعرون﴾ (البقرة: 154).

يضع القرآن سنة الحياة أمامنا بلا مواربة، كي لا نخدع أنفسنا بوهم الطريق السهل: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين﴾

هنا يتجاوز الإيمان حدود الحس الضيق، ويعلم النفس أن الحقيقة أوسع من المشهد. ليس المقصود نفي الحزن، بل تصحيح ميزان النظر؛ فالموت في منطق الوحي ليس انقطاعا مطلقا كما يتوهم الحس، بل هو انتقال إلى لون من الحياة لا تدركه أدواتنا، وهذا المعنى يحرر القلب من اليأس، ويجعل الفقد- مع مرارته- غير قادر على محو المعنى من الوجود.

ثم يضع القرآن سنة الحياة أمامنا بلا مواربة، كي لا نخدع أنفسنا بوهم الطريق السهل: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين﴾ (البقرة: 155).

هذه ليست قائمة تهديد، بل خارطة تربية. واللافت أن الآية بدأت بالخوف؛ لأن الخوف إذا استولى شتت الملكات، وأربك العقل، وجعل الإنسان يعيش المصيبة قبل وقوعها، فيطيل على نفسه زمن الألم.

ومن حكمة الخطاب القرآني- كما يقرره كثير من المفسرين- أن المطلوب ليس الاستسلام للانزعاج، بل نقل الطاقة من الهلع إلى الفعل: أن تبذل أسبابك، وتدفع ما تستطيع دفعه، وتترك ما لا تملك لله، فلا تستهلك روحك في توقع لا ينتهي.

ثم يأتي الجوع ليربي الإنسان على التحمل؛ فترف الحياة ليس متاحا دائما، وقد يمر المؤمن بلحظات لا يجد فيها إلا الضروري. ومن هذا الباب يفهم تدريب الصوم: تربية على ضبط الحاجة، لا تعذيب للنفس.

ثم يأتي نقص الأموال والأنفس والثمرات؛ لأن طريق الحق- كما يلمح سيد قطب- طريق ذو تكاليف، والنفوس لا تصاغ على الصمود إلا إذا اختبرت، ولا تتجلى فيها القوى إلا تحت مطارق الشدائد.

وحين تكتمل هذه التربية، لا يترك القرآن الإنسان وحيدا أمام البلاء، بل يعلمه كلمة النجاة: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ (البقرة: 156).

ليست هذه عبارة تعزية فحسب، بل إعلان عقيدة يعيد ترتيب الكون في القلب: نحن لله… وما عندنا لله… وإليه المصير. وحين يستقر هذا المعنى، لا يختفي الألم، لكنه يفقد قدرته على تحطيم الروح؛ فيبكي الإنسان دون أن ينهار، ويحزن دون أن يضل، ويتوجع دون أن ييأس.

ثم يختم القرآن بشارة الطريق لمن ثبتوا: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ۖ وأولئك هم المهتدون﴾ (البقرة: 157).

صلوات ورحمة وهداية: هذا هو الثمن الذي يضعه القرآن في الكفة الأخرى أمام الخوف والجوع والنقص. ليست وعودا دنيوية فقط، بل عطاء يمس صميم القلب: أن يكون في عناية الله، وأن تغمره رحمته، وأن يهتدي وسط العتمة.

في زمن الحرب، تتكاثر الأسئلة وتضيق الإجابات، لكن القرآن لا يعدنا بعالم بلا امتحان؛ إنما يعدنا بقلب أقوى من الامتحان، يربينا على أن الصبر ليس جمودا، بل صمودا واعيا، وأن الصلاة ليست طقسا، بل شريان حياة للروح.

وحين نفهم ذلك لا نقاسم الخوف صدورنا، بل نضعه في موضعه: شعور إنساني لا يقود، وجرح لا ينهي، وابتلاء يسبق البشرى.