السابع من أكتوبر 2023 بين عبقرية الأداء.. وإخفاق التناول

علي بركات يكتب

ضريبة التحول من التذلل والانكسار إلى الانعتاق من قيود العبودية.

ان الذين يتصورون ان ضريبة التحول من التذلل والانكسار والتفتت والتحطم إلى الانعتاق من قيود العبودية يتحقق من جولة واحدة يظنون ظنًا غير دقيق لا يتوافق مع تجارب الأمم البشرية عبر تاريخها السحيق.. وأن “توصيف” كُلفة بعض نتائج الصراع مع العدو الصائل “بالانتحار” بعيد كل البعد عن مساقات الكشف في منهج الاستدلال بواقع الممارسات التحررية عبر الأزمنة.. فما دَخَل دامر على قومٍ إلا بفضل وَبْشُ من الأوباش وما تمكن من ترابها وسَهُل رحيله عنها سوى بحلقات متتالية متصلة من الكفاح.. الذي يُحدِث شِممًا وقوة في العزائم تفرز أجيالاً استثنائية متفوقة متفردة رفيعة العماد ثابتة الأوتاد أَوْهاجً للتحول تبرق وترعد في مواجهة عدوها الغاصب.

تناول النتائج في غياب استدعاء تاريخ الأوائل

حازت عملية طوفان الأقصى على مراحل من التناول بين إطراءٍ وهجاءٍ ونقدٍ بناءٍ وعطب.. غالب منتقديها كانت تلفهم حماسة الحدث في أوجّه دون النظر للأبعاد التي يبني عليها نقده العطب مستدعيًا التركيبة الإقليمية الواسعة ونظرتها للقضية الفلسطينية التي لم تأخذها حركة المقاومة في الحسبان.. هنا يقفز على الفور السؤال أين كانت عبقرية التشوف الشمولي لهؤلاء وعملية “طوفان الأقصى” في مهدها؟.. فالطفل الرضيع في غزة يعلم علم اليقين أن دائرة الخنق التي تطوّق فلسطين تم رسمها من حدودها شمالاً وشرقًا وجنوبًا ولا نبالغ القول ان طوقها يبدأ من الضفة الغربية ويتسع الطوق متجاوزًا المحيطين.. حتى تعالت بعض الأصوات التي انتقدت علاقة المقاومة في غزة بنظام طهران.. وقد وصل الأمر الى المقارنة بين القوتين المتحاربتين “المقاومة الفلسطينية” “والإسرائيلية” من حيث العدة والعتاد في غياب تام عن استحضار قوله عز وجل “وما النصر إلا من عند الله” وقوله “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة” في مبنى للمجهول غير محدد الاستطاعة! وغياب عن استدعاء تاريخ المسلمين الأوائل!.. الذي لم يسجل تفوّق عددي وعسكري في ساحات الوغى ضد العدو.. ربما ستأخذ البعض الدهشة ونحن نسرد مشهد من مشاهد السيرة النبوية في واحدة من أغرب أحداث تاريخ الإسلام العسكري.. في السنة السادسة للهجرة أمر النبي “عليه الصلاة والسلام” باتخاذ الاستعدادات لأداء مناسك العمرة وساق معه الهدي لتعلم قريش ان النبي زائرًا للبيت الحرام.. كان معه زوجته أم سلمة ونحو 1400 الى 1500 صحابي.. ولم يخرج بسلاح سوى سيوف المسافر في القُرُب.. وساق معه 70بدينة(ناقة) للهدي.. ولما علمت قريش بذلك قررت منعه من دخول مكة.. عندما وصل الرسول إلى بئر حديبة على بعد تسعة أميال من مكة جاءه نفر من خزاعة ناصحين له.. فقال لهم النبي الكريم “إنا لم نجيئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وان قريش أنهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاءوا ماددتهم ويخلّوا بيني وبين الناس، وان شاءوا ان يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، والا فقد جَمُّوا، وإن هم أبَوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي-أي حتى تنفصل الرأس عن الجسد-، أو لينفذنّ الله أمره”.. بعث النبي عثمان بن عفان إلى قريش للتفاوض على دخول مكة.. لكن قريشًا احتبسته ثلاثة أيام وأشاع بين الناس ان عثمان قد قُتل.. عندئذ قال النبي “لا نبرح حتى نُناجز القوم” ودعا عليه الصلاة والسلام إلى البيعة على القتال حتى الموت.. وسُمّيَت (بيعة الموت)..فالنبي عندما دعاهم بقوله “مَنْ يبايعني على (الموت) هي في ظني قَوّله عبقرية استباقية لم تدع أدنى فرصة للصحابة لمناقشة أنفسهم فضلاً عن كونها جدلية مشروعة في ذلك الظرف.. كيف للصحابة ان تحارب وليس لديهم سوى سبعون من النوق؟.. لا عدد ولا عُدة!.. أليست وفق تشوف منتقدي المقاومة (انتحار)؟! وقد يرى البعض وقتئذ أنها مجازفة بالدعوة الإسلامية برمتها وهي في مهدها.. لكنا وجدنا السماء تغدق على الصحابة من فيضها.. ويُنّزل الله قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة ليخبر الناس عامة والصحابة خاصة بأن الله قد رضى عنهم في قوله تعالى (لقد رضي اللهُ عن المؤمنينَ إذ يبايعونك تحت الشجرةِ فعلمَ ما في قلوبِهِم فأنزَلَ السَكِينَةَ عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا) الآية ١٨ من سورة الفتح.. وقال تعالى في نفس السورة الآية العاشرة(إن الذين يُبَايِعُونَكَ إنما يبايعون اللهَ يَدُ اللهِ فوق أيديهم فمنْ نَكَثَ فإِنَّما ينكثُ على نفسهِ وَمَنْ أوفى بما عَاهَدَ عليهُ اللهِ فسيؤُتيه أجرًا عظيماً)..فكانت بيعة الموت سبب ترضي مليارات المسلمين على صحابة رسول الله.. فما يراه مغفلي الأرض انتحاراً تراه السماء فتحًا يقينًا.. لولا تضحية الأولين أمثال بلال بن رباح العبد الضعيف المملوك الذى تحدى جبروت صناديد قريش وعُتاتها بقولة “أحدُُ احد” وهو يتلظى تحت لهيب شمس صحراء مكة ويُضرب بذَنَب السوط.. فهل ما فعله بلال انتحاراً؟!..وقد رأينا كيف قُتِلَت سمية بحربة اخترقت مكان عفتها امام ابنها عمار وزوجها ياسر الذى قُتِلَ هو الاخر.. فهل كانت حالات الثبات هذه انتحاراً أم تراكم من مد الجسوم جسرًا إلى أن بلغنا هذا الدين؟!.

شهادة القادة حتمية قدرية ونتيجة لا تخضع لمادياتنا القاصرة.

حتمية قدرية ان تدفع رجال المقاومة في فلسطين التكلفة.. وأن يتخذ الله من قاداتها شهداء.. وهذه نتائج أجلُّ من ان نُخضعها لمادياتنا القاصرة.. ولا ينبغي حشرها في ميزان الربح والخسارة على طريقة توظيف الأموال أو تقليس نفقات حفاظًا على الرسملة.. فكل التجارب البشرية دفعت ضريبة مقاومتها في سبيل تحقيق وجودها.. ولا يعني موت القادة منقصة تموت معهم القضية بموتهم.. بل يصبحون الوقود لإحياء القضية وليس العكس.. لنسوق واحدة من أحداث تاريخ الإسلام العسكري.. الزمن السنة الثامنة للهجرة وغزوة مؤتة ضد الروم.. الغزوة التي أمّرَ فيها النبي بحسب التسلسل التالي زيد بن حارثة فإن قُتل فجعفر بن أبي طالب فإن قُتل فعبد الله بن رواحة.. استمر القتال ستة أيام استُشهد فيها القادة الثلاثة بالترتيب.. فهل عطل موت القادة مسيرة الإسلام وتقدمه؟!..لقد كان استشهاد القادة دفعة معنوية دفعت باتجاه فتح الشام لاحقًا.. ومن ابرز نتائجها ظهور قوة المسلمين على الساحة الدولية.. ويمكن القول انه (النصر الذي كان غير مرئي).. المهارة هي قراءة التاريخ باستخلاص العبر واسقاطها على الواقع.. وليس بقدرة سرده كحكايات ماقبل النوم.

التحالفات السياسية لا تنظر إلى فساد العقائد.

قد انبرى شَطْرُ من أصحاب الأقلام بالتناول اللاذع والتقريع علاقة المقاومة الفلسطينية بإيران مستندين على كون إيران لها مشروعها الشيعي وكذلك دورها المخزي في سوريا واليمن ولبنان والعراق..

بادئ ذي بدء لا ننكر أن لإيران مشروعها في المنطقة ومشاركة في قتل اهل سُنّة الدول التي ذكرناها آنفًا.. ولها دور في وأد ما يسمى ثورات الربيع العربي.. السؤال المحوري هنا هل ثمة مانع لعقد تحالف مع غير المسلم وفق ضابط شرعي؟ بالطبع لا.. فالنبي الكريم عقد تحالفًا مع جُهينة وغِفار وضَمْرة (دون النظر إلى ما عليه هذه القبائل من عبادة الاصنام) ليضمن حيادهم في الصراع مع قريش.. وقد نص الاتفاق بين المسلمين وضَمْرة على المسالمة والنصرة على من يعتدي عليهما لا يغزوهم ولا يغزوه وأن لهم النصر على من رامهم..وان النبي إذا دعاهم لنصرة أجابوه.. عليهم بذلك ذمة الله وذمة رسوله ولهم النصر على من بر منهم واتقى.. وتحالفَ النبي عليه الصلاة والسلام مع خزاعة (المشركة) وساندها في قتالها ضد بني بكر (المشركة ايضًا)،كل هذه التحالفات تخضع للعمل السياسي وليس لها علاقة بالعقيدة.. فرجال المقاومة في غزة تعي تمامًا الشعرة الفارقة بين التحالفات السياسية والتحالفات العقيدية في صراعها العسكري.. التحالف السياسي لا ينظر في فساد العقيدة ولا يتبناها.. ويتماهى مع ما سوقناه سلفًا تجارب من قلب التاريخ..

حركة المقاومة في فلسطين واتساقها مع النص التاريخي للأمم.

في الواقع لم تكن حركة المقاومة في “غزة” بمعزلٍ عن التاريخ الإسلامي ولا خارجة على النص التاريخي الحركي للبشرية وهي تقاتل “الكيان الإسرائيلي” في السابع من أكتوبر/تشرين أول 2023 تنافح بغية استقلالية أراضيها المحتلة.. ولا يتصور مُحنك أن مآلات “طوفان الأقصى” أو علامات الاستفهام التي داعبت عقله لم ترد بخاطر رجال المقاومة.. فهم أصحاب الشعاب وأحد الأجيال التي تسلمت لواء النضال بكل موروثاته الشرعية والعسكرية الممزوج مزجًا لا ينفك أحدهما عن الاخر.. من قيادات لديها رؤية سياسية كلية للعالم من حولها ومحيطة جيدًا بقضيتها الرئيسية.. أكسبتهم استعدادات سابقة لعصرها وإمكانات معنوية خارقة ملحمة تسردها أوراق التاريخ لاحقًا.. لنسأل سؤال ختامي.. هل قدّمت دولة ما (سُنّية) عرضها لخدمة القضية الفلسطينية وقُبِلَت بالرفض من رجال المقاومة تفضيلاً (لإيران) على من سِواها؟!

المصدر: جريدة الأمة الإلكترونية