إيهود باراك وإبستين: اعتراف بالندم

وسط شبكة جدل عالمية

في بداية فبراير ٢٠٢٦، وبعد أسابيع من الكشف عن آلاف الوثائق والتسجيلات الجديدة المتعلقة بملفات جيفري إبستين، قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك كسر صمته، والخروج بتصريحات رسمية حول علاقته الطويلة بالملياردير الأمريكي المثير للجدل. اعتراف باراك جاء بعد ضغط كبير من وسائل الإعلام الدولية، وأثار جدلًا واسعًا في إسرائيل وخارجها، خاصة فيما يتعلق باستمراره في التواصل مع إبستين بعد إدانته الأولى عام 2008.

في مقابلة مع القناة 12 الإسرائيلية، حاول باراك تقديم تفسير لما وصفه بـ “أخطاء في الحكم الشخصي”، موضحًا أن حجم جرائم إبستين لم يكن معروفًا قبل إعادة فتح التحقيقات عام 2019.

وقال إن التعامل مع إبستين في تلك الفترة كان يتم على أساس أنه “أدى دينه للمجتمع”، بعدما قضى نحو عام في سجن مفتوح بفلوريدا بموجب صفقة قضائية، وأن العديد من الشخصيات السياسية والاقتصادية والثقافية في الولايات المتحدة حافظت على علاقاتها به في ذلك الوقت.

البداية: لقاء بيرس

تعود علاقة باراك بإبستين إلى عام 2003، عندما قدمه له الرئيس الإسرائيلي الأسبق شمعون بيرس خلال فعالية كبيرة في واشنطن، موضحًا له: “هذا يهودي طيب، أنا أعرفه جيدًا”. يصف باراك تلك اللحظة بأنها كانت بداية علاقة عادية ضمن الأوساط السياسية والاجتماعية، ولم يكن يتوقع أن تتطور الأمور لاحقًا إلى شبكة جرائم واسعة تحيط بها أصداء عالمية.

ومع مرور الوقت، استمرت العلاقات الاجتماعية والاستثمارية بين الرجلين، رغم إدانة إبستين لاحقًا في قضية استدراج قاصر لأغراض الدعارة عام 2008. أقر باراك بأنه استمر في التواصل مع إبستين عبر الرسائل الإلكترونية والمشاركة في لقاءات وزيارات محدودة لشقته في نيويورك، لكنه شدد على أن أي من هذه العلاقات كان قانونيًا ولم يشمل أي نشاط مشبوه أو غير قانوني.

الندم والاعتراف

خلال المقابلة، عبر باراك عن شعوره بالندم، قائلاً: “أنا مسؤول عن كل أفعالي وقراراتي. كان يجب عليّ أن أتحقق بشكل أعمق، وأنا نادم لعدم القيام بذلك”. وأوضح أنه لو عرف حجم الجرائم التي ارتكبها إبستين لاحقًا، لقطع علاقته على الفور، مؤكداً أن الاستمرار كان خطأ شخصيًا، لكنه لم ينطوِ على أي مخالفة قانونية.

وبخصوص زيارة جزيرة إبستين الشهيرة، نفى باراك أنها تكررت، مؤكداً أن الزيارة كانت “مرة واحدة فقط” استمرت حوالي ثلاث ساعات في وضح النهار، برفقة زوجته وثلاثة حراس، ولم يرَ هناك سوى إبستين وبعض العمال.

واعتبر أن كل ما يثار حول هذه الزيارة هو مبالغات إعلامية، وأنه لم يكن هناك أي فعل غير قانوني أو غير لائق.

ردود الفعل في إسرائيل وخارجها

أثارت تصريحات باراك ردود فعل متباينة. في إسرائيل، استخدم معسكر اليمين القضية للتشكيك في أخلاقه ومعاييره، معتبرين أن استمرار علاقته مع إبستين بعد إدانته يضعه تحت شبهة ضعف الحس الأخلاقي، خصوصًا أنه كان يقدم نفسه كمعارض لحكومة بنيامين نتنياهو.

في المقابل، دافع أنصاره وبعض المحللين عن موقفه، معتبرين أن إبستين كان شخصية معقدة، وأن استمراره في التعامل معه قبل كشف حجم الجرائم لم يكن ينطوي على أي مخالفة قانونية واضحة.

على الصعيد الدولي، سلطت الملفات الضوء على شبكة علاقات إبستين المعقدة مع شخصيات سياسية واقتصادية بارزة من مختلف أنحاء العالم. وظهر اسم باراك مرات عدة في الوثائق والصور التي أُصدرت في 30 يناير ٢٠٢٦، بما في ذلك صور له في شقة إبستين بنيويورك.

كما كشفت الوثائق عن علاقات استثمارية تجمع بين الرجلين، ما يعيد الجدل حول طبيعة هذه العلاقات وحدود المسؤولية الشخصية عند التعامل مع شخصيات مثيرة للجدل.

تحليل القضية

يرى محللون أن اعتراف باراك يمثل خطوة استراتيجية لتوضيح موقفه القانوني والأخلاقي قبل أي تسريبات جديدة قد تثير الجدل أكثر. ويشير بعضهم إلى أن ما قام به إبستين من جرائم لم يكن معروفًا على نطاق واسع في الولايات المتحدة قبل إعادة فتح التحقيقات عام 2019، وهو ما أعطى الشخصيات العامة، بما فيها باراك، حجة لتبرير استمرار علاقاتها في تلك الفترة.

في المقابل، يؤكد آخرون أن القضية تضع سؤالًا جوهريًا حول مسؤولية الشخصيات العامة في تقييم علاقاتها مع أشخاص يملكون سجلًا مشبوهًا أو يثيرون الشكوك، وأن أي تقصير في هذا التقييم قد يؤثر على المصداقية العامة، ويعرض السمعة للخطر، حتى لو لم يكن هناك فعل جنائي مباشر.

اعتراف إيهود باراك بعلاقته مع جيفري إبستين يفتح فصلًا جديدًا في قضية عالمية عرفت بتشابك السياسة، المال، والأخلاق. تصريحاته بالندم ومحاولة التوضيح قد تخفف من الانتقادات، لكنها في الوقت نفسه تضعه تحت المجهر، خصوصًا في الأوساط السياسية والإعلامية.

يظل السؤال الأكبر عن حدود العلاقات الاجتماعية والسياسية، وكيف يمكن للسياسيين والشخصيات العامة حماية أنفسهم من التورط مع أشخاص قد يصبحون لاحقًا رموزًا للفضائح الدولية.

في النهاية، تقدم قضية باراك وإبستين مثالًا حيًا على التحديات الأخلاقية التي يواجهها السياسيون في عالم مترابط، حيث يمكن لعلاقات شخصية أن تتحول بسرعة إلى جدل عالمي واسع، حتى في حالة عدم ارتكاب أي مخالفات قانونية مباشرة.