حرية الرأي والتعبير.. بين الحق المطلق والمسؤولية العامة
د. ياسر عبد التواب يكتب
- dr-naga
- 29 يناير، 2026
- رأي وتحليلات
- الإعلام المعاصر, الحق المطلق, الخطاب الإعلامي, المسؤولية العامة, حرية الرأي والتعبير
كثيرًا ما تُرفع شعارات حرية الرأي والتعبير في الفضاء العام بوصفها قيمة واحدة لا تقبل التجزئة، غير أن التمييز بين المفهومين يظل ضروريًا لفهم معنى الحرية وحدودها. فحرية الرأي تتصل بما يعتنقه الإنسان في داخله من أفكار وقناعات، وهي مساحة لا يجوز لأحد اقتحامها أو مصادرتها، بينما حرية التعبير هي إخراج هذه القناعات إلى المجال العام، حيث تتقاطع مع حقوق الآخرين ومصلحة المجتمع.
هذا التفريق ليس اجتهادًا حديثًا، بل تؤيده نصوص شرعية صريحة؛ فالقرآن الكريم قرر مبدأ حرية الاعتقاد بقوله: ﴿لا إكراه في الدين﴾، كما نفى أي وصاية على القناعات الداخلية: ﴿أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾. وهي دلالة واضحة على أن الفكر والرأي شأن فردي خالص.
ومع ذلك فنصائح الدين وتوجيهاته هي الا يترك الانسان نفسه عرضة لتلاعب أهوائه به وأن يلجمها بلجام العقل وبحدود الشرع وألا يقحم العقل في مجالات ليست له كحدود الغيب وما وراء عقل الإنسان مما لا يدركه تفكيره وقدراته
وأيضا حين ينتقل الرأي إلى التعبير، يختلف الحكم. بخلاف ما دكرنا فالشريعة، كما القوانين الحديثة، تضع ضوابط تحمي المجتمع من الضرر. ويكفي الاستدلال بقول النبي ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»، وهي قاعدة تضبط كل ممارسة عامة، ومنها الخطاب الإعلامي. بل إن القرآن نهى عن أسلوب التعبير ذاته إذا أدى إلى مفسدة، فقال: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم﴾، رغم أن أصل الموقف العقدي ثابت.
في الإعلام المعاصر، يتجلى هذا الفهم في النقاشات حول خطاب الكراهية وتنظيم المحتوى الرقمي، حيث أكدت تقارير اليونسكو أن حماية حرية الرأي لا تعني إطلاق التعبير بلا قيود. وفي السياق الغربي، ربط الفيلسوف جون ستيوارت ميل حرية التعبير بعدم إلحاق ضرر بالآخرين، وهو مبدأ تبنته صحف كـالغارديان عند مناقشة سياسات منصات التواصل.
إن الخلط بين حرية الرأي وحرية التعبير لا يخدم الحرية ذاتها، بل يحولها إلى أداة صدام وفوضى. أما الفصل بينهما، فهو ما يصون حق الفرد في التفكير، ويحفظ للمجتمع توازنه واستقراره. فالحرية، في جوهرها، ليست نقيض المسؤولية، بل قرينتها.
المصدر: جريدة الأمة الإلكترونية