العرب والحاجة لجيل جديد من الجيوسياسيين
حسين مجدوبي يكتب
- dr-naga
- 27 يناير، 2026
- رأي وتحليلات
- الباحثين, الجيوسياسيين, العالم العربي, النزاعات, النظام العالمي الجديد, حسين مجدوبي
يمر العالم من لحظة مفصلية، جراء سياسة واشنطن بزعامة الرئيس دونالد ترامب القائمة على منح الحق الذاتي في التدخل في القضايا العالمية، بالدبلوماسية والسلاح والضغط الاقتصادي. وبدأت تكتلات العالم ومنها الاتحاد الأوروبي تراجع سياستها لتتأقلم مع التطورات التي تسير نحو نظام عالمي جديد، وكيف تؤثر في باقي المناطق. وهذا يجر إلى الحديث عن دور العالم العربي مستقبلا وسط هذه الأجواء غير المستقرة، خاصة في علاقته بالجنوب، رغم غياب وحدة عربية الآن، بل بالعكس حالة تمزق واضحة.
في البدء، يشكل العالم العربي جزءا مهما من منظومة أمم الجنوب، أو ما يسمى وفق الفكر الغربي «الجنوب المعولم». ولعب دورا مهما في مبادرات التوحيد السياسي للجنوب، عبر المشاركة الفعالة في تأسيس دول عدم الانحياز والاتحاد الافريقي وآسيا ضمن منظمات أخرى، غير أن الدور العربي في بناء الجنوب شهد تعثرا كبيرا بالموازاة مع تمزقه، لأسباب متعددة منها:
أولا، الفشل في بناء الذات العربية نتيجة المواجهة بين أنظمة ملكية وأخرى تقدمية، ما جعلها تنخرط في الحرب الباردة لصالح الغرب، أو الاتحاد السوفييتي. ومن أبرز الصراعات في هذا المجال، الأزمة شبه الأبدية بين المغرب والجزائر، الأولى لصالح الغرب والثانية لصالح المعسكر الشرقي. وتكرر هذا في الشرق الأوسط وفي بعض الأحيان أكثر حدة، بين العراق وسوريا في مواجهة أنظمة الخليج الملكية.
ثانيا، ضرب الوحدة العربية جراء غزو العراق للكويت سنة 1990، حيث شكل ذلك بداية تفكك ما بقي من الوحدة العربية، ومرحلة انهيار حقيقي، تفاقمت مع الربيع العربي جراء معارضة الأنظمة الإصلاح الديمقراطي.
ثالثا، كانت الدول العربية الأكثر تضررا من سياسة الغرب في محاربة الإرهاب بعد التفجيرات الإرهابية 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، حيث تعرضت للضغط الغربي لمواجهة الحركات الإسلامية، وبالتالي فقدت الكثير من سيادتها لرضوخها لهذا الضغط من جهة، والتوتر المجتمعي الذي ترتب عن عمليات اعتقال الإسلاميين من جهة أخرى.
بدأت تكتلات العالم ومنها الاتحاد الأوروبي تراجع سياستها لتتأقلم مع التطورات التي تسير نحو نظام عالمي جديد، وكيفية تأثيرها في باقي المناطق
رابعا، لم تنجح في توحيد سياستها تجاه إسرائيل لمعالجة القضية الفلسطينية، حيث أصبح هذا الملف، الذي كان يوحد الأنظمة العربية، والشعوب من المحيط إلى الخليج، مصدرا للانقسام والتوتر والاستقطاب.
يحدث هذا في وقت يعد العالم العربي الأكثر إنتاجا لخطاب سياسي إسلامي ويساري وليبرالي وعروبي وثقافي، حول الوحدة العربية منذ الخمسينيات إلى الوقت الراهن، مقارنة مع تجمعات أخرى مثل الاتحاد الأوروبي وتجمع دول أمريكا اللاتينية والكاريبي. والفضاء الجغرافي الممتد من الخليج إلى المحيط الذي يتوفر على تاريخ مشترك ولغة مشتركة ودين لأغلبية الشعوب العربية، مع استحضار اللغات الإثنية وديانات أخرى مثل المسيحية. وينهي العالم العربي الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، وغالبية دوله تعيش أزمات تفكك مثل ليبيا وسوريا والعراق والسودان واليمن. وينهي هذه الحقبة والأزمات تهدد بعض الدول، مثل الأزمة بين المغرب والجزائر من جهة، والأزمات المتتالية بين أنظمة الخليج العربي. وتبقى كل المؤشرات تدعو الى التشاؤم حول تطورات العالم العربي في الربع الثاني من القرن الواحد والعشرين الممتدة من 2025 إلى 2050. ويتضاعف هذا التشاؤم بسبب عودة ما يشبه قانون الغاب إلى العلاقات الدولية، بسبب مواقف الدول الكبرى مثل، هجوم روسيا على أوكرانيا، وإسرائيل ضد فلسطين والولايات المتحدة ضد فنزويلا. ونظرا لهذه العوامل السلبية، يبقى الحديث عن حدوث الوحدة العربية، خلال السنوات المقبلة من باب الخيال السياسي وتعسفا على التحليل الجيوسياسي، وحشو سياسي رخيص يخاطب المشاعر أكثر من العقول، غير أن هذا، لا يمنع من تطبيق ما يسمى «منهجية التفكير المضاد للواقع» على العالم العربي، في تحقيق الحد الأدنى من الوحدة والاتفاق على القضايا الكبرى، التي تهم الشعوب العربية خلال القرن الجاري. إذا تحقق هذا الحد الأدنى، يمكن للعرب لعب دور فعال وربما الأبرز في تحقيق تماسك قوي لأمم الجنوب، من خلال آليات الوحدة المتعددة التي انخرطت فيها دول العالم العربي. وعلاقة بهذا، تتوفر الدول العربية على الجامعة العربية، وهو تكتل قديم يعود الى عقود، وأنتج الكثير من آليات الوحدة التي يجب تفعيلها، واستعمال هذه الهيئة للتنسيق مع تكتلات أخرى. وكانت الجامعة العربية قد بدأت هذا المسلسل في قمتين وهما، الجامعة العربية – أمريكا اللاتينية، خلال السنوات الماضية، بمعنى تكتلين من الجنوب. كما توجد دول عربية في الاتحاد الافريقي وهي دول شمال افريقيا القادرة على التأثير في الاتحاد لصالح قضايا أمم الجنوب والعرب، كما حاول الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي من خلال الاتحاد الافريقي. كما تعتبر جميع الدول العربية أعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي. في الوقت ذاته، يسجل العالم العربي وجود تكتلات إقليمية مثل، اتحاد المغرب العربي، المجمد مع الأسف، ومجلس دول الخليج، وهما قادران على مخاطبة القوى الكبرى. في هذا الصدد، مما سيساعد العالم العربي على أداء دور محوري في تعزيز وجوده، وكذلك تكتل أمم الجنوب، هو موقعه الجغرافي الاستراتيجي الواقع بين آسيا وافريقيا وأوروبا، وهذا يجعله جسراً طبيعياً يربط بين هذه الفضاءات القارية. كما أن امتلاكه لموارد طبيعية هائلة من الطاقة، خاصة الغاز والنفط، يمنح بعض الدول العربية ثقلاً اقتصادياً مؤثراً في الاقتصاد العالمي، ويجعلها لاعباً رئيسياً في مجالات الاستثمار داخل أمم الجنوب، ولاسيما في القارة الافريقية. ورغم التحديات والمشاكل التي يمر بها العالم العربي، لا يزال العديد من دول الجنوب في افريقيا وأمريكا اللاتينية، بل حتى قوى كبرى مثل الصين والهند وروسيا، تؤمن بقدرة العالم العربي على الاضطلاع بدور جيوسياسي فاعل في العلاقات الدولية إذا ما توحد.
وبعيدا عن منهجية التفكير المضاد، وهذه المرة في محاولة تقديم مقترحات براغماتية في المتناول، تنهل من الفكر الجيوسياسي الواقعي والبوليتيك، يتطلب الأمر قفزة نوعية في الإنتاج الفكري الجيوسياسي، حول الوحدة العربية ودور العرب في تعزيز تكتل أمم الجنوب. لقد أنتج رواد الوحدة العربية الكثير من مشاريع الوحدة، في مجملها كانت قائمة على الحماس الذي طبع حقبة التحرر من المستعمر الأوروبي. وانخرط مفكرون في إنتاج فكر قومي لم يأخذ بعين الاعتبار التنوع الإثني والثقافي في هذه الرقعة الجغرافية من الخليج إلى المحيط، ما تسبب في عمليات الانفصال والانسلاخ من العالم العربي، ولم يأخذ بعين الاعتبار مسار التطورات الدولية. ويمكن تبرير هذا بضعف التفكير الجيوسياسي ليس في العالم العربي، بل في أمم الجنوب دون استثناء. الوضع العربي الحالي لن يستمر طويلا، فقد عاشت أوروبا حربين عالميتين خلفتا مقتل عشرات الملايين من الناس، وكان وضعها أسوأ من العالم العربي حاليا، ولكنها نجحت في بناء الاتحاد الأوروبي. رغم أن السنوات المقبلة لا تحمل مؤشرات الوحدة العربية، إلا أن العالم العربي، قد يتوحد مستقبلا. وعليه، فهو في حاجة ماسة لجيل من المفكرين في جيوبوليتيك، متحرر من الماضي، ومسلح برؤية براغماتية للمستقبل بعيدا عن الشعارات.
جيل ينتج مشاريع وأفكار ونظريات مرتبطة بالواقع الحقيقي رغم مرارته. جيل من الباحثين الجيوسياسيين يرى ما بعد 2040 على الأقل. محتاج الى إنتاج فكري جيوسياسي يرتكز على التفكير في حل النزاعات، وعلى تعزيز الآليات البراغماتية بعيدا عن الاصطفاف الثقافي، وذلك لتحقيق الحد الأدنى من الوحدة والتفاهم حول القضايا المصيرية.
المصدر: القدس العربي