لماذا انحدر مستوى الحوار في منتدى دافوس إلى المناكفة؟

د. مثنى عبدالله يكتب

لم يكن مستوى الحوار في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي هذه المرة كما كان من قبل، فقد شهد المنتدى تصعيدا غير مسبوق في الخطاب بين ضفتي الأطلسي، وشابته السخرية والتهكم بين الولايات المتحدة وأوروبا، لقد أعاد هذا المستوى من الخطاب إلى الواجهة توترا متصاعدا بين الحلفاء، بسبب السياسات التي يتبعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خاصة مطالبته بالسيادة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، فقد رأت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، أن هذا السلوك السياسي الترامبي، قد أدى إلى تراجع سلطة القانون، داعية أوروبا إلى تسريع خطواتها نحو الاستقلال، والدفاع عن نفسها والتخلي عن حذرها التقليدي. كما حذر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، من أن النظام الدولي القديم لن يعود، داعيا ما وصفه بالقوى المتوسطة إلى العمل معا، ومؤكدا أن الدول التي لا تكون حول الطاولة ستكون على قائمة الطعام، في إشارة إلى ما اعتبره لجوء القوى الكبرى إلى الإكراه الاقتصادي لفرض إرادتها. من جابنه ركّز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في خطابه، على القيم والقانون الدولي والطموحات الإمبريالية الجديدة للدول.
وإذا كانت السمة المميزة للخطاب الأوروبي في هذا المنتدى، هي التحذير بصيغة المجهول، من السلوك السياسي للرئيس ترامب وطموحاته التوسعية، فإن خطاب الرئيس ترامب كان كالعادة هجوميا وشخصانيا، وبعيدا عن أية لغة دبلوماسية معروفة. فقد قال، إنه يحب أوروبا لكنه يرى أنها ليست على ما يرام، ولا تسير في الطريق الصحيح، ويبدو أنه يريدها أن تتبع سياساته وتسير على خطاه.
كما سخر من الرئيس الفرنسي ماكرون، قائلا، إنه شاهده على التلفزيون وهو يلعب دور القوي بنظارته الجميلة. كما عرّج على القضية الأوكرانية بأنها شأن أوروبي وليس شأنا يخص الولايات المتحدة. وأضاف ترامب أنه الأقوى، ووحدها القوة قادرة على تحقيق السلام، لكن هذه المقاربة خطيرة للغاية، لأنها تفتح الباب واسعا أمام سباق تسلّح لم يعد بعدها من قانون دولي، بل حتى قوله، إنه عندما تزدهر الولايات المتحدة فإن العالم يزدهر أيضا، وحين تسوء أحوالها تسوء أحوال الجميع، كان فيه دعوة مُبطّنة لفسح المجال أمامها تفعل ما تشاء.

الولايات المتحدة برئاسة ترامب، تُعرّض الحلف الأوروبي الأمريكي للحظة عصيبة، قد تؤدي إلى انهيار الحلف بين الطرفين، والسبب هو سعي أمريكا للسيطرة على غرينلاند

إن تحليل الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منتدى دافوس مؤخرا، يُشير إلى الكثير من الحقائق. فما يميز نبرة خطاباته، أنه دائما ما يخلط الحقائق بالحقائق الموازية، ثم يغلف كلامه بالغموض الاستراتيجي. وهو في كل هذا يبغي خلق الفوضى لدى الأطراف المتلقية، كي يصل إلى النتيجة التي يريدها وهي، منع الطرف المقابل من توقع ما سيحدث. كما أنه لا يتوانى عن إدراج معلومات خاطئة يضمنها في خطابه، بهدف تثبيت حقوق له على الطرف الآخر. فعلى سبيل المثال، في خطابه أمام منتدى دافوس قال، إنه جاءت لحظة سداد أوروبا لثمن ما فعلته من أجلها الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، وهو يقصد خطة مارشال التي أعادت إعمار المانيا ودول أوروبية أخرى. لكن الحقيقة هي أن حالة الإعمار هذه كانت على شكل قروض، سددتها أوروبا على مدى سنوات، ولم تكن هبة من الولايات المتحدة الأمريكية. وعندما يقول، إن الولايات المتحدة سيطرت على جزيرة غرينلاند في الحرب العالمية الثانية، ثم أعادتها إلى السيادة الدنماركية بسلاسة تامة، فهو أيضا يجانب الحقيقة. فالولايات المتحدة ذهبت إلى هذه الجزيرة خلال الحرب لحماية منجم، كانوا يستخرجون منه معادن ثمينة تدخل في صناعة الطائرات آنذاك، وهذا هو السبب في سيطرتهم على الجزيرة، بل إن الحقيقة تقول إن الولايات المتحدة، استفادت اقتصاديا من أوروبا، حين طرحت عليهم فكرة الاتحاد الأوروبي والمجموعة الاقتصادية الأوروبية، كي تكون هناك سوق أوروبية مشتركة كبيرة، تدخل من خلالها المنتجات الأمريكية إلى أوروبا.
لقد لخّص رئيس الحكومة البلجيكية بارت دي ويفر، العلاقة الأوروبية الأمريكية منذ بداياتها وحتى اليوم، بعبارات غاية في الدقة والوضوح، كما يشعر بها الاوروبيون اليوم. فهو يقول كنا تابعين راضين وخانعين بهذا الشيء، ولكن أن نتحول إلى عبد ذليل ومهان فهذا وضع آخر، ولهذا فإما المذلة والمهانة، أو أن نقوم بانتفاضة الكرامة.
وبذلك فنحن أمام مشهد جديد في النظام الدولي، بعد الذي سمعناه من الزعماء الأوروبيين في المؤتمر، وفي هذا التوقيت بالذات. فهو لا يمثل فقط ابتعاد الحلفاء الأوروبيين عن الحلف مع الولايات المتحدة وحسب، بل قطعا تاما للنظام العالمي الذي عاشت المجتمعات والدول في إطاره خلال السنوات السبعين الأخيرة. ففي هذه الفترة الزمنية تعاملت أوروبا والولايات المتحدة مع التحديات المشتركة لهذا التحالف، على أنها تحديات ناجمة عن قوى مستبدة كالصين وروسيا كما يزعمون. لكن المفارقة هي أن الولايات المتحدة برئاسة دونالد ترامب، تُعرّض هذا الحلف الأوروبي الأمريكي لهذه اللحظة العصيبة، التي قد تؤدي إلى انهيار الحلف بين الطرفين. والسبب هو سعي الولايات المتحدة للسيطرة على غرينلاند. وإذا كان ترامب يلجأ إلى تكتيك وهو، عدم التكهن بما سوف يفعله، لكن ما سمعناه في كلمته في دافوس، إنما هو متصل بكيفية رؤية ترامب للعالم. إن الازدراء الترامبي لحلفائه وللتحالفات القائمة، وتحديدا حلف شمال الأطلسي، الذي مضى عليه عقود من الزمن، إنما يقدم صورة متباينة للانعزالية الأمريكية في ثلاثينيات القرن المنصرم. فهو يقول، إن الحرب في أوكرانيا لن تطال الولايات المتحدة، لأنها بعيدة جغرافيا عن أوكرانيا بسبب المحيط الأطلسي، لكن في الوقت نفسه يمارس السياسة الاستعمارية من خلال الاستحواذ على الأراضي النائية البعيدة.
بالتالي مجددا في دافوس هو يعرض هذه الرؤية، من حيث إنه يزدري حلفاءه والتقاليد السارية في مجال السياسة العامة، أو السياسة الخارجية لانعزالية القرن العشرين، التي تتماهى مع هذه الإمبريالية الأمريكية، بحيث سعت الولايات المتحدة إلى السيطرة على أراض في الفلبين وألاسكا، كما حصل ذلك في القرنين الماضيين.
يبدو واضحا أن شرخ العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، بات على أعتاب حرب باردة، فحتى المملكة المتحدة، التي تاريخيا تسير عجلة سياساتها خلف الولايات المتحدة، قد وجدت نفسها من دون خيار آخر، سوى مواجهة الطموحات الترامبية والتضامن مع أوروبا، لذلك شدد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر على أنه لا يريد مواجهة مع الولايات المتحدة، لان بريطانيا تعتمد على المظلة الأمريكية النووية والدفاعية والأمنية، ولكن في الوقت نفسه مبدأ الاستيلاء على جزيرة غرينلاند يعني انهيار النظام الغربي.

المصدر: القدس العربي