اليمين المتطرف في أوروبا وتأثيره على التعايش المجتمعي

الخطاب المتشدد لليمين يلقى رواجا بالقارة العجوز

لم يعد اليمين المتطرف في أوروبا مجرد “ظاهرة عارضة” أو صرخة احتجاجية على هامش المشهد السياسي؛ فمع حلول عام 2026، دخلت القارة العجوز مرحلة “التطبيع الكامل” مع الخطاب المتشدد، حيث تحولت الأفكار التي كانت تُصنف سابقاً كـ “محرمات سياسية” إلى بنود أساسية في برامج الأحزاب التقليدية، مما يثير مخاوف عميقة حول مستقبل التماسك الاجتماعي وحقوق الأقليات.
انشقاقات كبرى وشرعية جديدة
شكل انشقاق ناظم الزهاوي، الوزير البريطاني السابق، وانضمامه في 12 يناير 2026 إلى حزب “إصلاح المملكة المتحدة” (Reform UK)، ذروة هذا التحول. لم يكن الحدث مجرد تغيير في الولاء الحزبي، بل اعتُبر بمثابة “شهادة شرعية” لتيار كان يُنظر إليه كحركة راديكالية.
هذا الانتقال من قلب “المؤسسة التقليدية” إلى صفوف اليمين القومي يعكس تآكل “الحواجز الواقية” التي كانت تفصل بين اليمين الوسط واليمين المتطرف في الديمقراطيات الغربية.
تآكل “الجدار العازل” وتطبيع الإقصاء

يرصد المحللون في عام 2026 ظاهرة “تلوث الخطاب السياسي”، حيث بدأت الأحزاب التقليدية في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا بتبني لغة اليمين المتطرف بشأن الهجرة والهوية الوطنية في محاولة لاستعادة الناخبين.

يشهد مطلع عام 2026 تحولاً جذرياً في الخطاب السياسي الأوروبي، حيث انتقلت الأفكار اليمينية المتطرفة من الهامش إلى صدارة المشهد الرسمي، مدعومة بتصريحات علنية وانشقاقات سياسية غير مسبوقة.
أبرز التصريحات والأمثلة الموثقة من مختلف دول أوروبا:
1. بريطانيا: زلزال الانشقاقات (يناير 2026)
شكل انضمام ناظم الزهاوي لحزب “إصلاح المملكة المتحدة” (Reform UK) نقطة تحول في شرعنة الخطاب اليميني:
  • 12 يناير 2026: صرح ناظم الزهاوي في مؤتمر صحفي: “بريطانيا بحاجة إلى نايجل فاراج رئيساً للوزراء.. بلادنا الرائعة مريضة، ولا يوجد نمو، وهناك انهيار في الخدمات، وتدفق هائل للمهاجرين غير الشرعيين يمثل حالة طوارئ وطنية”.
  • 12 يناير 2026: انتقد الزهاوي ما وصفه بـ “البيروقراطية المتعجرفة” التي تقيد الحرية الفردية، واصفاً بريطانيا تحت حكم حزب العمال بأنها أصبحت “بريطانيا ذات المستويين”. 
2. ألمانيا: صعود “البديل” وتشديد السياسات (2025-2026)
  • أكتوبر 2025: تمسك فريدريش ميرتس (رئيس الحزب المسيحي الديمقراطي) بتصريحاته حول ضرورة تغيير سياسات الهجرة التي أثرت على “مظهر المدن الألمانية”، مؤكداً أنه لا يوجد ما يعتذر عنه.
  • يناير 2026: تزايدت قوة حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) بعد فوزه بنحو ثلث الأصوات في انتخابات ولاية تورينغن، مما دفع الأحزاب التقليدية لتبني خطاب أكثر راديكالية بشأن “إعادة المهاجرين” (Remigration) لمنافسة الحزب. 
3. إيطاليا والنمسا: قمة “الترحيل القسري” (2025)
  • 18 مايو 2025: عُقدت “قمة الهجرة” في مدينة غالاراتي الإيطالية، حيث اجتمع قادة من اليمين المتطرف الأوروبي لبحث “الترحيل القسري” للمهاجرين، حتى أولئك الذين يقيمون بصفة قانونية، وإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.
  • سبتمبر 2025: تعهد هربرت كيكل (زعيم حزب الحرية النمساوي) في بيانه الانتخابي ببدء “التهجير القسري لجميع الذين يدوسون على حق الضيافة” في حال أصبح مستشاراً للبلاد. 
4. ميثاق الهجرة الأوروبي (يونيو 2026)

تحذيرات ديسمبر 2025: وجهت مجموعات برلمانية (مثل Renew Europe) انتقادات لتحالف يجمع اليمين الوسط واليمين المتطرف لتعديل لوائح اللجوء، مشيرين إلى أن هذا التحالف يسعى لإلغاء الرابط الضروري بين طالب اللجوء و”الدولة الثالثة الآمنة”، مما يهدد حقوق الإنسان.

الموعد النهائي: يُلزم الاتحاد الأوروبي أعضاءه بتنفيذ “ميثاق الهجرة واللجوء الجديد” بحلول يونيو 2026، وهو الميثاق الذي وُصف بأنه استجابة لضغوط اليمين لتشديد الرقابة على الحدود الخارجية. 

5. قبرص: معركة الميزانية (ديسمبر 2025)

18 ديسمبر 2025: حاول حزب ELAM اليميني المتطرف في قبرص تجريد ميزانية الدولة لعام 2026 من التمويل المخصص لإدارة الهجرة ونقاط العبور، كجزء من استراتيجية “تصفير الهجرة”. 

تعكس هذه الأمثلة أن عام 2026 يمثل ذروة “التطبيع” مع خطاب اليمين المتطرف؛ حيث لم يعد الحديث عن “الترحيل” أو “حماية الهوية” مقتصرًا على الحركات الهامشية، بل أصبح جزءًا من صراع الميزانيات، والتحالفات البرلمانية، وتصريحات كبار الوزراء السابقين في كبرى الديمقراطيات الأوروبية.

المخاطر على التعايش المجتمعي

تتجاوز التداعيات صناديق الاقتراع لتصل إلى عمق النسيج الاجتماعي، وتتمثل أبرز المخاطر في:

استهداف الهوية والأقليات: يروج هذا الخطاب لفكرة أن الأجانب يمثلون “الخطر الآخر” الذي يهدد بقاء الهوية الأوروبية، مما يعزز مشاعر الانقسام بين “نحن” و”هم”.

تنامي خطابات الكراهية: يرى باحثون أن أفكار “النازيين الجدد” والتيارات الإقصائية باتت تكتسب زخماً في الشوارع وعبر الإنترنت، مستغلة الإحباط الاقتصادي لدى الشباب.

خلل التوازنات الحقوقية: يؤدي حضور اليمين المتطرف في المؤسسات التشريعية إلى تغيير القوانين المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات، مما يضعف آليات حماية الفئات الضعيفة.

اقتصاد الخوف
يرتكز الخطاب اليميني في 2026 على “ربط مباشر” بين الأزمات الاقتصادية ووجود المهاجرين، تحت شعارات مثل “المزيد من المهاجرين يعني المزيد من البطالة”. هذا الربط، رغم افتقاره للدقة العلمية في كثير من الأحيان، يجد صدىً واسعاً في ظل تضخم مستمر وضغوط معيشية يغذيها استمرار الحرب في أوكرانيا وتكاليف الطاقة.
الخلاصة.. تواجه أوروبا في 2026 اختباراً مصيرياً؛ فإما القدرة على حماية قيم التعددية والديمقراطية، أو الانزلاق نحو “سلطوية” جديدة تعيد رسم خريطة القارة بناءً على العرق والهوية. إن “تطبيع” الخطاب المتطرف لم يعد يهدد الأقليات فحسب، بل يهدد استقرار القارة ومستقبل التكامل الأوروبي الذي بُني على أنقاض حروب الهوية السابقة.