باكستان 2026: توازن دبلوماسي واقتصادي واستراتيجي شامل
لترسيخ هويتها كدولة محورية في جنوب آسيا
- السيد التيجاني
- 10 يناير، 2026
- تقارير
- آسيا, اسلام آباد, الصين, باكستان, جامو وكشمير المحتلة
تجد باكستان نفسها في مستهل عام 2026 أمام تحديات مركبة تتطلب توازناً دقيقاً بين الملفات الأمنية والالتزامات التنموية. ومع تعقيد المشهد الدولي، تسعى إسلام آباد إلى ترسيخ هويتها كدولة محورية في جنوب آسيا، ليس فقط عبر القوة العسكرية، بل من خلال الدبلوماسية الناعمة والتحالفات الاقتصادية العميقة.
دبلوماسية الأمل: الشراكة الصحية وتخفيف الأعباء الاجتماعية
في خطوة وُصفت بأنها “تاريخية” على الصعيد الإنساني، وقّعت وزارة الخدمات الصحية الوطنية اتفاقية مع شركة “روش” السويسرية لتوفير أدوية السرطان مجاناً للمرضى. ويرى وزير الصحة مصطفى كمال أن هذا التعاون ليس مجرد صفقة تجارية، بل هو نموذج جديد للإدارة الصحية، حيث تتحمل الشركة 70% من التكلفة.
تستهدف المرحلة الأولى 745 مريضاً من مناطق إسلام آباد، وآزاد كشمير، وجيلجيت بالتستان.
ويؤكد الخبير في السياسات العامة، الدكتور زفر ميرزا، أن هذه المبادرة تعالج “فقر الدواء” الذي يفتك بآلاف الأسر سنوياً، مشيراً إلى أن نجاح هذا النموذج قد يفتح الباب أمام اتفاقيات مماثلة لعلاج الأمراض المزمنة الأخرى، مما يعزز من مرونة النظام الصحي الوطني في مواجهة الأزمات.
من جهة أخرى، تشيد منظمة الصحة العالمية بهذا التوجه، معتبرة أن إشراك الشركات العالمية في تحمل المسؤولية الاجتماعية تجاه الدول النامية هو السبيل الوحيد لتحقيق العدالة الصحية.
وفي ظل تزايد معدلات الإصابة بالأورام، تصبح هذه الاتفاقية “طوق نجاة” يعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ويؤكد أن الأولوية القصوى هي الحفاظ على رأس المال البشري.
كشمير في القلب: الصمود الدبلوماسي في وجه السياسات الإقصائية
لم تتزحزح باكستان عن موقفها المبدئي تجاه قضية جامو وكشمير، حيث تواصل إسلام آباد تذكير العالم بأن الحقوق لا تسقط بالتقادم. وأكدت وزارة الخارجية أن استمرار الهند في محاولات تغيير التركيبة السكانية للإقليم منذ عام 2019 يمثل “جريمة قانونية” مكتملة الأركان.
ويرى السفير السابق عبد الباسط أن التحركات الهندية الأخيرة، بما في ذلك التضييق على الحريات الدينية وهدم المعالم الإسلامية مثل مسجد “فيض إلهي”، تهدف إلى استفزاز المشاعر وتفجير الاستقرار الإقليمي. ويضيف أن “صمت المجتمع الدولي تجاه هذه الانتهاكات يغذي التوترات ويجعل من منطقة جنوب آسيا برميلاً من البارود”.
وتشير تقارير منظمة “هيومن رايتس ووتش” إلى أن الأقليات في الهند وجامو وكشمير يواجهون سياسات إقصائية ممنهجة. وتستثمر باكستان علاقاتها مع القوى الكبرى لإطلاعهم على هذه التطورات، معتبرة أن الأمن في آسيا مرتبط ارتباطاً وثيقاً بحل نزاع كشمير وفق إرادة سكانها وقرارات الأمم المتحدة، بعيداً عن سياسة فرض الأمر الواقع التي تتبعها نيودلهي.
تحالف الـ75 عاماً: الشراكة الصينية الباكستانية وآفاق “المستقبل المشترك”
مع دخول العلاقات مع الصين عامها الخامس والسبعين، تبرز رؤية “المجتمع ذي المستقبل المشترك” كإطار عملي للتعاون. ويؤكد نائب رئيس الوزراء محمد إسحاق دار أن الشراكة مع بكين لم تعد تقتصر على البنى التحتية، بل انتقلت إلى عمق الاقتصاد الإنتاجي والزراعي.
ويوضح الخبير الاقتصادي الدكتور عابد قيوم سليماني أن التعاون في محاصيل مثل الكلفل الحار وبذور اللفت والسمسم ليس مجرد تبادل تجاري، بل هو عملية “توطين للتكنولوجيا الزراعية” الصينية في الأراضي الباكستانية.
هذا التحول سيمكن باكستان من تقليص العجز التجاري وزيادة صادراتها إلى السوق الصينية الضخمة التي بدأت بالفعل في استقبال المنتجات الزراعية الباكستانية بجودة منافسة.
علاوة على ذلك، يرى الخبراء في معهد الدراسات الاستراتيجية بإسلام آباد (ISSI) أن الدعم الصيني لباكستان في المحافل الدولية، لا سيما في قضية كشمير، يعزز من توازن القوى.
وتنظر بكين إلى استقرار باكستان كضرورة استراتيجية لمشروع “الحزام والطريق”، مما يجعل من عام 2026 عاماً لتوطيد الأركان الاقتصادية لهذا التحالف التاريخي الذي صمد أمام جميع التقلبات السياسية العالمية.
الانفتاح الدبلوماسي: تنويع الشركاء وتعزيز الثقل الإقليمي
لا تضع باكستان بيضها في سلة واحدة، بل تنهج سياسة “تعدد الأقطاب” عبر الانخراط النشط مع دول إسلامية وآسيوية مؤثرة. التحركات الأخيرة تجاه مصر، الإمارات، تركيا، إندونيسيا، وبنغلاديش تعكس رغبة في بناء كتلة اقتصادية وسياسية متماسكة قادرة على مواجهة التحديات الدولية المشتركة.
ويؤكد المحلل السياسي أحمد رشيد أن تقارب إسلام آباد مع دكا وجاكرتا يفتح أسواقاً جديدة للعمالة والمنتجات الباكستانية، بينما يمثل التعاون مع القاهرة وأنقرة تنسيقاً أمنياً وسياسياً ضرورياً في ملفات الشرق الأوسط. هذا النشاط الدبلوماسي يهدف إلى تقليل الاعتماد على القروض الدولية والاتجاه نحو الاستثمارات المباشرة والتبادل التجاري.
وتشدد الخارجية الباكستانية على أن هذا الانفتاح لا ينتقص من التحالفات التقليدية، بل يكملها. ففي الوقت الذي تدعم فيه باكستان وحدة الصين، فإنها تبحث عن نقاط التقاء مع دول “الجنوب العالمي” لتعزيز صوتها في قضايا التغير المناخي والعدالة الاقتصادية.
إن هذه الرؤية المتعددة الأبعاد تضع باكستان في موضع “الجسر الدبلوماسي” الذي يربط بين الأقاليم المختلفة، مما يعزز من وزنها النوعي في المنظمات الدولية مثل منظمة التعاون الإسلامي ومنظمة شنغهاي للتعاون.
إن باكستان في عام 2026 هي دولة تحاول صياغة قدرها بأدوات جديدة؛ حيث يلتقي الدواء بالمجان مع الاقتصاد الزراعي المتطور، وتصطدم الدبلوماسية الهادئة بالتعنت الإقليمي. إن نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد بشكل أساسي على الاستقرار الداخلي واستمرار وتيرة الإصلاحات البنيوية التي تضمن تحويل هذه التحالفات الدولية إلى مكتسبات ملموسة للمواطن الباكستاني.