أزمة نقص الأدوية تهدد صحة غزة
في ظل استمرار الحرب والحصار.
- السيد التيجاني
- 23 ديسمبر، 2025
- تقارير
- الأمم المتحدة, السوق السوداء, المستلزمات الطبية, غزة, نقص الأدوية
تتجاوز أزمة نقص الأدوية في قطاع غزة كونها مشكلة صحية طارئة، لتكشف عن خلل عميق في القدرة على حماية الحد الأدنى من الحياة الإنسانية في ظل حرب مستمرة وحصار خانق. فمع وصول أرصدة أدوية أساسية إلى الصفر،
لم تعد المستشفيات تواجه ضغط الأعداد فقط، بل اختباراً قاسياً لحدود العمل الطبي نفسه. هذه الأزمة تطرح أسئلة جوهرية حول المسؤوليات السياسية والإنسانية، وتُنذر بتداعيات طويلة الأمد قد تعيد رسم المشهد الصحي والاجتماعي في القطاع لسنوات مقبلة
أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، أن رصيد العديد من الأصناف الدوائية الأساسية وصل إلى “صفر”، محذّرة من أن أكثر من 10 آلاف عملية جراحية مهددة بالتأجيل أو الإلغاء بسبب النقص الحاد في المستلزمات الطبية.
هذا الإعلان أعاد تسليط الضوء على الأزمة الصحية المتفاقمة في القطاع، والتي باتت تهدد حياة آلاف المرضى والجرحى في ظل استمرار الحرب والحصار.
تحذيرات رسمية من انهيار صحي شامل
وأكدت وزارة الصحة أن النقص لا يقتصر على أدوية بعينها، بل يشمل أصنافًا منقذة للحياة مثل أدوية التخدير، والمضادات الحيوية، ومحاليل العمليات، إضافة إلى المستهلكات الطبية الأساسية كالشاش والخيوط الجراحية.
وأشارت إلى أن المستشفيات تعمل بأقل من طاقتها، وأن الطواقم الطبية تضطر إلى المفاضلة بين المرضى وفق مبدأ “الأكثر حاجة”.
وحذّرت الوزارة من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية، خاصة مع تزايد أعداد المصابين، وتوقف عدد من المستشفيات عن العمل جزئياً أو كلياً.
قرارات صعبة وأخلاقيات على المحك
أطباء في قطاع غزة عبّروا عن قلقهم الشديد إزاء الوضع الحالي، مؤكدين أن النقص الحاد في الأدوية يضعهم أمام خيارات أخلاقية قاسية. وقال أحد الجراحين إن تأجيل العمليات لم يعد يقتصر على الحالات غير الطارئة، بل طال عمليات حيوية لمرضى السرطان والقلب.
وأشار أطباء تخدير إلى أن نفاد الأدوية يجبرهم على استخدام بدائل أقل فاعلية أو تقليل الجرعات، ما يعرّض المرضى لمضاعفات خطيرة. واعتبروا أن ما يجري “خارج عن قدرة الكوادر الطبية”، وأن الحل لا يمكن أن يكون داخلياً فقط.
على مستوى المواطنين، أثارت تصريحات وزارة الصحة موجة قلق واسعة. مرضى يعانون من أمراض مزمنة عبّروا عن خشيتهم من انقطاع العلاج بشكل كامل، خاصة مرضى السكري والفشل الكلوي والسرطان.
ذوو مرضى ينتظرون عمليات جراحية أكدوا أن التأجيل المتكرر يفاقم الحالة الصحية والنفسية، ويجعلهم يعيشون حالة دائمة من الترقب والخوف. بعضهم اضطر إلى البحث عن أدوية في السوق السوداء بأسعار باهظة، في ظل غياب البدائل.
مطالبات بفتح الممرات الطبية
فصائل وقوى فلسطينية حمّلت إسرائيل مسؤولية تدهور الوضع الصحي، معتبرة أن الحصار ومنع دخول الإمدادات الطبية يشكلان “عقاباً جماعياً”. وطالبت بفتح ممرات إنسانية دائمة تضمن تدفق الأدوية والمستلزمات دون قيود.
كما دعت مؤسسات المجتمع المدني إلى تحرك عاجل، محذّرة من أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى ارتفاع كبير في أعداد الوفيات التي يمكن تفاديها.
قلق ودعوات للتحرك
منظمات دولية، من بينها منظمات إغاثة طبية، أعربت عن قلقها إزاء التقارير الواردة من غزة. وأكدت أن النظام الصحي يعمل “على حافة الانهيار”، داعية إلى تسهيل دخول المساعدات الطبية بشكل فوري ومنتظم.
بعض الجهات الدولية شددت على أن استهداف أو تعطيل القطاع الصحي يتعارض مع القانون الدولي الإنساني، مطالبة بضمان حماية المستشفيات والطواقم الطبية.
كارثة إنسانية طويلة الأمد
يحذر خبراء صحيون من أن تداعيات الأزمة لن تقتصر على المرحلة الحالية، بل ستمتد لسنوات قادمة. فتعطل العمليات الجراحية وتأخير العلاج سيؤديان إلى تفاقم الأمراض، وارتفاع نسب الإعاقة والوفيات، خاصة بين الأطفال وكبار السن.
كما أن استنزاف الكوادر الطبية، جسدياً ونفسياً، قد يؤدي إلى هجرة الكفاءات أو خروجها القسري من الخدمة، ما يضعف قدرة القطاع الصحي على التعافي مستقبلاً.
موقف الأمم المتحدة
أعربت الأمم المتحدة عن قلقها البالغ إزاء التدهور الخطير في الوضع الصحي بقطاع غزة، محذّرة من أن نفاد الأدوية والمستلزمات الطبية يضع حياة آلاف المدنيين في خطر مباشر.
وأكدت منسقات الشؤون الإنسانية أن النظام الصحي في القطاع يعمل في ظروف “كارثية”، مع استمرار القيود على دخول الإمدادات الطبية والوقود.
ودعت الأمم المتحدة إلى فتح ممرات إنسانية آمنة ودائمة، وضمان وصول المساعدات الطبية دون عوائق، مشددة على أن حماية المرافق الصحية والطواقم الطبية التزام قانوني وفق القانون الدولي الإنساني، ولا يجوز استخدام الحصار أو نقص الإمدادات كأداة ضغط على السكان المدنيين
والخلاصة تعكس أزمة نفاد الأدوية في قطاع غزة صورة قاتمة لوضع صحي يزداد هشاشة يوماً بعد يوم. وبين تحذيرات رسمية، ومعاناة المرضى، وضغوط الأطباء، يبقى الحل مرهوناً بتدخل عاجل يضمن تدفق الإمدادات الطبية ووقف استهداف النظام الصحي، قبل أن تتحول الأزمة إلى مأساة إنسانية لا يمكن احتواؤها.