أزمة الغرب

رضا بودراع يكتب

على مدى قرون، كانت العقائد والجغرافيا هما المِحوران اللذان تدور حولهما رحى السياسة، تصنعان التحالفات وتؤججان الصراعات.

أما اليوم، فقد تقدّم إلى المسرح عاملان جديدان، يفرضان نفسيهما على مائدة القرار الدولي: التقنية التي تقتحم كل تفاصيل الحياة، والتغير المناخي الذي يهدد كوكبنا بأسلوب لا يقبل التفاوض.

كان الإنسان، منذ فجر التاريخ، مشغولا بأسئلته الوجودية الكبرى:

من أنا؟ من أين أتيت؟ لماذا وُجدت؟ وإلى أين المصير؟

لكن مع ما سُمّي بـ”عصر التنوير” والنهضة الصناعية، تراجعت حرارة الجدل حول الغيبيات، واعتلت خشبة الفكر العالمي فلسفتان حاكمتان: الواقعية والتقدمية، واضعتين أربع ركائز للإنسان المادي:

1- الحداثة تُقصي الإله، وتعيد تعريف الإنسان كمركزٍ للوجود.

2- الدولة الحديثة كالوحدة السياسية الجوهرية للنظام الدولي.

3- نظريات المعرفة كأداة وحيدة للسيطرة على المادة.

4- الأرض بوصفها منبعًا مستدامًا للثروة.

وإذ يقف العالم اليوم على حافة هاوية فكرية، وأزمة بنيوية خانقة، وكارثة مناخية محدقة،

عاد البشر، إلى نفس الأسئلة الوجودية، لكنهم مثقلون بأزمات صنعوها بأيديهم، يبحثون عن مخرج منها يضمن البقاء

* ماذا بعد الحداثة؟

* ماذا بعد الدولة الحديثة والنظام الدولي؟

* ماذا بعد الرقمنة وصولًا إلى الكمومية التقنية؟

* وماذا بعد فساد المناخ وانكسار توازن الطبيعة؟

إن ما نسمعه من تحليل النخبة الأكاديمية، والسياسية، ليس إلا أصداء ضجيج صاخب من قلب التأزم العميق، عاجزة أن تضع خرائط طريق أو جسور عبور آمن.

وفي خضم هذا المخاض العالمي، تلوح في الأفق ثلاث صدمات كبرى:

1- صدمة حضارية بين الإسلام والحداثة، تُعيد تعريف معنى الصراع.

2- هجرات ديمغرافية هائلة، تُعيد رسم خرائط الجغرافيا السياسية.

3- تغيرات مناخية قاهرة، تُعيد صياغة البيئة العسكرية والاقتصادية للجيوش والقوى.

إننا مقبلون على عصرٍ تحكمه معادلتان لا ترحمان:

1- عدم استقرار مستدام:

حيث تخرج الدول والهيئات فوق الدولية من الاستراتيجيات إلى ممرات التكتيك الضيقة، وتغدو العلاقات الدولية مجرد تفاهمات هشة لا تثبت على حال.

2- عدم يقين مستدام:

أين تنهار النظريات والمشاريع التي شكّلت هيكل الاقتصاد العالمي في القرن الماضي.

¤ إن الاستقرار المفقود سينخر عظام النظام الدولي حتى تتهاوى بنيته،

¤ واليقين المفقود سيمحو أسس الاقتصاد الدولي كما يمحو الموج آثار الأقدام على الرمال.

والخلاصة أن أمة الاسلام والغرب يعيشان اليوم تيها مشتركا وفي نفس البيئة والحيز الزماني، لكنه تيه يختلف في الطبيعة والمسار

تيه الأمة متعلقة بأسئلة النهضة والصعود،

وتيه الغرب متعلق بكيفية السقوط وتفادي الانهيار.

وبين ذلك صدام هائل يلوح بالأفق.

المصدر: جريدة الأمة الإلكترونية

كلمات مفتاحية: