بين الجهوزية والتصعيد.. كشمير تحت ضغط التصريحات الأمنية

في وقت يتسم بالحساسية البالغة

أثارت التصريحات الأخيرة للمفتش العام لقوات أمن الحدود الهندية (BSF) في كشمير، أشوك ياداف، حول استمرار ما أسماه “عملية سيندور”، موجة واسعة من الجدل داخل الإقليم المتنازع عليه وفي الأوساط الاستراتيجية في جنوب آسيا.

فبينما تزعم نيودلهي هذه العملية باعتبارها “ضرورة أمنية” لمواجهة ما تصفه بـ “المغامرات الباكستانية”، يرى محللون أن الخطاب العسكري المتصاعد يعكس ديناميات أكثر عمقًا، تتصل بالسياسة الداخلية الهندية، وتوازنات القوة الإقليمية، والوضع المتدهور في جامو وكشمير.

ويأتي هذا التصريح في وقت يتسم بالحساسية البالغة، حيث لا تزال آثار التوترات التي أعقبت صدامات 10 مايو قائمة، مع استمرار كل من نيودلهي وإسلام آباد في تبادل الاتهامات بشأن “الاستفزازات” عبر خط السيطرة.

قراءة استراتيجية: خبراء يفسّرون الرسائل الخفية

تشديد السيطرة أم تهيئة لمسرح عمليات جديد؟

يرى الخبير الأمني الهندي الدكتور راهول بانداري، أستاذ الدراسات الاستراتيجية في جامعة جواهر لال نهرو، أن تصريحات ياداف “ليست مجرد تأكيد روتيني على الجاهزية، بل جزء من نمط يهدف إلى تمرير رسالة مزدوجة للداخل والخارج”.

يقول بانداري: “القيادة الأمنية الهندية تريد أن تُظهر للجمهور المحلي أنها تسيطر على الإقليم، خصوصًا بعد الانتقادات التي طالت الحكومة بسبب الوضع الأمني في كشمير خلال العامين الماضيين. وفي الوقت نفسه، هي رسالة ردع واضحة لإسلام آباد، بأن نيودلهي لن تتساهل مع أي تحرك عبر خط السيطرة”.

أما في باكستان، فيقدّم الباحث في قضايا الأمن الإقليمي مصطفى فاروق قراءة مغايرة. إذ يعتبر أن تصريح ياداف “يأتي في إطار استراتيجية هندية مستمرة منذ 2019، تقوم على عسكرة الإقليم وإحكام السيطرة الأمنية بغرض فرض واقع سياسي جديد”.

ويضيف فاروق: “عملية سيندور ليست حدثًا معزولًا؛ هي امتداد لسلسلة عمليات ميدانية، تترافق مع تشديد غير مسبوق على السكان المحليين. مثل هذه التصريحات أداة سياسية أكثر منها عسكرية، تهدف إلى تبرير هذا النهج”.

هل تغيّرت قواعد الاشتباك على خط السيطرة؟

تعتقد الباحثة النيبالية في شؤون الحدود والنزاعات سانجانا كيرتي أن خطاب BSF يعكس “تبدلًا تدريجيًا في قواعد الاشتباك بين الهند وباكستان”، خصوصًا بعد تراجع التهدئة التي سادت خلال الأعوام 2021–2022.

وتوضح كيرتي: “عندما يتحدث مسؤول أمني رفيع عن عملية مستمرة بلا سقف زمني، فهذا يلمّح إلى إمكانية توسيع العمليات أو رفع مستوى الرد في حال تطور الموقف على الحدود. خط السيطرة من أكثر المناطق حساسية في العالم، وما يقال على المنابر غالبًا ما ينعكس ميدانيًا”.

وترى كيرتي أن نيودلهي قد تكون بصدد “بناء إطار قانوني–إعلامي لتبرير أي تحرك أكبر في المستقبل”، لا سيما في مناطق مثل بونش وراجوري، التي تشهد توترات متقطعة منذ أشهر.

انعكاسات على المدنيين في كشمير

يُجمع خبراء حقوق الإنسان على أن الخطاب الأمني المتشدد ينعكس مباشرة على حياة السكان.

ويقول الباحث الكشميري عبدالمنان زاهد إن “أي حديث عن عمليات مفتوحة المدى يشكل مصدر قلق للمدنيين، الذين غالبًا ما يدفعون ثمن التوترات العسكرية”.

ويضيف: “حين تتحدث القوات الهندية عن عمليات دائمة، فإن ذلك يعني المزيد من نقاط التفتيش، والمزيد من المداهمات، وتضييقًا على الحركة. يعيش الناس هنا بين مطرقة الجيش وسندان عدم اليقين السياسي”.

وبحسب منظمات محلية، فإن الأشهر الأخيرة شهدت ارتفاعًا في عدد عمليات التفتيش المشتركة في القرى القريبة من خط السيطرة، ما أعاد إلى الواجهة هواجس السكان من مرحلة “الأمننة الثقيلة” التي عانت منها المنطقة مطولًا.

ردود الفعل: من الانتقاد الدولي إلى القلق المحلي

موقف باكستان: “تصعيد غير مبرر”

سارعت وزارة الخارجية الباكستانية إلى التعليق على تصريحات المفتش العام، معتبرة إياها “استفزازية” و”خارجة عن السياق”.

وقال مسؤول في الخارجية –طلب عدم ذكر اسمه– إن نيودلهي “تحاول وسم أي حركة على الحدود بأنها تهديد”، مؤكدًا أن “عملية سيندور” مجرد “تسمية دعائية تهدف إلى خلق حالة من الطوارئ الدائمة”.

وأشار إلى أن باكستان ملتزمة باتفاق وقف إطلاق النار لعام 2003، “لكن الهند تواصل تغييره عمليًا عبر التصريحات والإجراءات الميدانية”.

قلق أممي متصاعد

وفي نيويورك، عبّر موظف في مكتب الشؤون السياسية التابع للأمم المتحدة –في تصريح غير رسمي– عن “قلق المنظمة الأممية من أي خطاب يعزز العسكرة في منطقة يُعدّ استقرارها هشًا للغاية”.

وقال:  “نحن نراقب الوضع عن كثب، ونحث الطرفين على ضبط النفس. المنطقة لا تحتمل أي تصعيد جديد”.

ردود فعل داخل الإقليم

داخل جامو وكشمير، انقسمت الآراء بين من رأى أن تصريحات ياداف “امتداد للأجندة الأمنية الهندية”، ومن قال إنها “رد طبيعي على تدهور الوضع الحدودي”.

لكن المشترك بين الطرفين هو القلق، الذي يعبّر عنه المواطنون في القرى الحدودية، حيث أي تصعيد –مهما كان محدودًا– قد يعني تهجيرًا مؤقتًا أو انقطاع طرق أو خطرًا مباشرًا على الحياة.

ويقول الناشط الاجتماعي أفتاب حسين من بونش:  “نحن أول من يدفع الثمن. كل تصريح عسكري يترجم على الأرض بسرعة، سواء عبر تحركات جديدة أو عمليات تفتيش. نريد فقط أن يتوقف هذا الشدّ والجذب الذي لا ينتهي”.

الإعلام الهندي: بين الترويج والتحذير

تناولت قنوات هندية عدة تصريحات ياداف بوصفها “إشارة على الجهوزية العالية للقوات”، بينما حذّر صحفيون مستقلون من أن تضخيم الخطاب الأمني “قد يؤجج التوترات دون ضرورة”.

ويقول المحلل الإعلامي الهندي أمار ديف:  “المشهد الإعلامي الهندي منقسم بشدة. جزء منه يتعامل مع كل حدث من زاوية ‘الأمن القومي’، فيما يحاول آخرون التذكير بأن التصعيد قد يقوّض الاستقرار الداخلي في كشمير بدل أن يرسّخه”.

التوقعات: سيناريوهات محتملة للمرحلة القادمةسيناريو التصعيد التدريجي

إذا استمر الخطاب الأمني على وتيرته الحالية، رجّح محللون أن تشهد الأسابيع المقبلة زيادة في العمليات الهندية داخل المناطق المحاذية لخط السيطرة.

ويتوقع الدكتور بانداري أن تستمر “عملية سيندور” بصيغتها الحالية، “لكن مع احتمال توسيع نطاقها في حال سجلت نيودلهي أي تحركات تراها مهدِّدة”.

ويرى أن “التصعيد التدريجي” هو السيناريو الأكثر ترجيحًا، لأنه يسمح للحكومة الهندية بالحفاظ على موقف متشدد دون الانجرار إلى مواجهة واسعة.

سيناريو التهدئة الهشة

يعتقد مراقبون أن الطرفين –رغم التصريحات النارية– لا يرغبان في مواجهة مفتوحة، لاعتبارات اقتصادية وسياسية.

وتقول سانجانا كيرتي: “هناك ضغوط داخلية على باكستان بعد الأزمة الاقتصادية الأخيرة، والهند تستعد لمرحلة انتخابية حساسة. كلاهما قد يختار التهدئة، لكن من دون تخفيف الخطاب”.

وتشير إلى أن “هدنة غير معلنة” قد تستمر، لكن توترها الكامن يجعلها قابلة للانهيار بفعل حادث صغير.

سيناريو التدويل

مع تزايد الانتقادات الدولية لسياسات الهند في كشمير خلال العامين الأخيرين، يرجح بعض الخبراء أن يؤدي أي تصعيد ميداني إلى عودة الملف إلى طاولة النقاش الأممية.

ويقول الباحث مصطفى فاروق: “الهند لا ترغب في تدويل كشمير، لكن التصعيد العسكري يُحرجها دوليًا. أي عملية واسعة قد تدفع عدة دول للضغط عليها، وهذا ما قد يفتح الباب أمام تدخل دبلوماسي أكبر”.

أثر ذلك على السكان

يبقى المدنيون الحلقة الأضعف في كل السيناريوهات.

فالتهدئة الهشة تعني استمرار حالة عدم اليقين، والتصعيد التدريجي يعني قيودًا أمنية أكبر، فيما التدويل –رغم أنه قد يفتح بابًا للحل– قد يطيل أمد التوتر قبل أن يخفف حدته.

ويقول عبدالمنان زاهد: “الناس هنا اعتادوا أن يعيشوا وسط تبدلات يومية في الميدان والسياسة. تصريحات من هذا النوع تمثل لديهم جرس إنذار جديد، لا يعرفون إلى أين يقود”.

بين التصريحات والواقع… كشمير تظل رهينة المعادلات الكبرى

تكشف تصريحات أشوك ياداف أن الخطاب الأمني في الهند يسير نحو مزيد من التشدد، وأن المقاربة العسكرية في كشمير لم تتغير رغم التحولات الكبرى في المنطقة والعالم.

لكن أهمية هذا التصريح لا تكمن في مضمونه فقط، بل في توقيته، وطريقة عرضه، وما يحمله من رسائل داخلية وخارجية.

فالمنطقة المتنازع عليها تعيش في حلقة مفرغة من التصعيد والتهدئة المؤقتة، من دون تقدم سياسي حقيقي.

وبينما تؤكد نيودلهي أنها تواجه “استفزازات”، وتتهم إسلام آباد الهند بـ“التصعيد غير المبرر”، يظل سكان كشمير العالق الأكبر في هذه الجغرافيا السياسية المعقّدة.

وبغياب مسار سياسي شامل، فإن كل تصريح عسكري، مثل تصريح ياداف، يمكن أن يشكل شرارة جديدة في إقليم يظلّ أحد أخطر بؤر التوتر في العالم.