غزة الحائرة بين مقاومتها والوصاية الدولية

مرحلة تاريخية مشحونة بكل أشكال التعقيد

قرار مجلس الأمن الأخير بشأن غزة جاء في لحظة تاريخية مشحونة بكل أشكال التعقيد، لحظة تختلط فيها دماء الحرب بأصوات الدبلوماسية، وينفتح فيها الباب أمام مرحلة انتقالية لا تزال معالمها مموّهة رغم كثرة الوعود المحيطة بها. فالقرار لا يتحدث فقط عن وقف لإطلاق النار، بل يقدم تصورًا جديدًا لإدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، وهو تصور يحمل طموحًا إنسانيًا معلنًا، ومصالح سياسية خفية لا تخطئها عين المتابع.

القرار يضع غزة على عتبة مرحلة انتقالية طويلة، تتداخل فيها الرغبات الدولية مع حسابات الفصائل، وتتعالى فيها تطلعات السكان المنهكين من الحرب فوق تفاصيل هندسية معقدة لمستقبل لم تتضح مصداقيته بعد. كل بند في القرار يمتلك وجهًا معلنًا وآخر مضمرًا، وكل طرف يقرأه بطريقة مختلفة تمامًا.

القوة الدولية: بين الأمن والسيطرة

القوة الدولية التي نص عليها القرار تبدو في ظاهرها مشروعًا يهدف إلى حماية المدنيين وضبط الحدود وتيسير المساعدات الإنسانية. لكنها في العمق تتجاوز وظيفة المراقِب المحايد.

فهذه القوة ستكون مكلفة، وفق التصور الأولي، بملفات حساسة تتعلق بإدارة السلاح داخل غزة، ومراقبة إعادة الإعمار، والإشراف على ترتيبات أمنية دقيقة مع الأطراف المختلفة.

ومن هنا يبدأ الخلاف الحقيقي: هل الهدف هو استقرار يطمئن السكان ويمنح الغزيين فرصة للحياة الطبيعية؟ أم هو تثبيت ترتيبات أمنية تخدم قوى خارجية، وتجعل قطاع غزة جزءًا من بنية إقليمية أوسع تتحكم بها جهات دولية؟

هذا السؤال سيظل معلقًا ما دامت قواعد عمل القوة الدولية وآليات تدخلها غير واضحة، وما دام نطاق صلاحياتها قابلًا للتفسير بأكثر من شكل.

اعتراض حماس والجهاد: الخوف من الوصاية وفقدان الدور

رفض حماس والجهاد للقرار لم يكن مفاجئًا، بل كان انعكاسًا طبيعيًا لرؤيتهما للواقع الجديد. بالنسبة لهما، دخول قوة دولية إلى غزة لا يعني فقط وجود جهة أجنبية مسلحة، بل يعني عمليًا تقليص نفوذهما العسكري وربما دفعهما تدريجيًا إلى خارج المشهد السياسي.

الفصائل تعتبر أن القرار يتجاهل ما تسميه “حق المقاومة”، ويعيد إنتاج صيغة قريبة من الوصاية الدولية، وهي وصاية تخشى حماس والجهاد أن تستمر لسنوات وتخنق القدرة الفلسطينية على اتخاذ القرار الذاتي.

هذا الرفض يفتح الباب لاحتمال احتكاكات مستقبلية بين الفصائل والقوة الدولية، خصوصًا إذا توسعت مهام القوة لتشمل عمليات نزع السلاح أو تفكيك البنى العسكرية تحت الأرض.

إدارة انتقالية على الورق: سلطة جديدة أم مجلس وصاية؟

الإدارة الانتقالية أو “مجلس السلام” المقترح في القرار يُطرح على أنه جسم لإعادة تأهيل مؤسسات الحكم في غزة. لكنه – في نظر العديد من الفلسطينيين – قد يتحول إلى صيغة فوق محلية تتجاوز الإرادة الشعبية وتُخضع القرار الإداري الفلسطيني لرقابة ونفوذ أجنبي.

هذه الإدارة تمتلك وعودًا بالإعمار وبناء المؤسسات، لكنها في الوقت نفسه تثير أسئلة حول شرعيتها وإمكانية قبولها من القوى الموجودة فعليًا على الأرض.

فالجسم الذي يُنشأ بمرجعية دولية قد يتحول إلى أداة لإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني بما ينسجم مع مصالح أطراف إقليمية ودولية أكثر مما يعكس رغبات المجتمع المحلي.

المشهد الإسرائيلي: انسحاب مشروط وثمن سياسي محسوب

إسرائيل، من جانبها، لا تعارض وجود القوة الدولية طالما يخدم هدفين رئيسيين: ضمان أمن الحدود ومنع المقاومة من إعادة بناء قوتها العسكرية.

وبحسب القراءة السياسية السائدة، الانسحاب الإسرائيلي – كما ورد في القرار – ليس كاملًا ولا فوريًا، بل هو انسحاب مشروط يرتبط بقدرة القوة الدولية على فرض السيطرة الأمنية، وبمدى التزام الفصائل بترتيبات جديدة قد تعيد صياغة المشهد الأمني في غزة بالكامل.

إسرائيل تبدو مستعدة للتعاطي مع القرار لأنها تحصل من خلال القوة الدولية على مكاسب يصعب عليها تحقيقها منفردة، من دون أن تدفع الثمن السياسي الداخلي أو الدولي الذي يرافق عادة عملياتها في غزة.

الرؤية الدولية: استقرار مطلوب أم إدارة صراع جديدة؟

الدول الغربية ترى أن القوة الدولية فرصة لتجنب انهيار إنساني جديد، ولتثبيت استقرار طويل الأمد. أما الدول العربية، فرغم تأييدها لوقف إطلاق النار، إلا أنها تحذّر من تحويل غزة إلى نموذج إدارة دولية يسبق الحل السياسي ولا يوازيه.

هذا التباين يطرح معضلة: هل الإدارة الدولية المؤقتة خطوة واقعية نحو الاستقرار، أم أنها صيغة لإدارة صراع طويل بدل حله؟

الإجابة تعتمد على مدى صدق الأطراف في تنفيذ وعود الإصلاح والبناء، وعلى قدرة الفلسطينيين على فرض دور واضح في إدارة المرحلة.

سكان غزة: الأمان أولًا… وما عداه تفاصيل

بعيدًا عن التباينات السياسية، يعيش سكان غزة في أولوية مختلفة تمامًا. فحاجتهم ليست للقوة الدولية أو للمشاريع السياسية، بل للأمان، للمأوى، للكهرباء، للمياه، ولحياة يمكن احتمالها.

الغزيون يدركون أن أي وجود عسكري أجنبي يحمل معه بالمقابل تعقيدات جديدة. لكنهم في الوقت ذاته يعرفون أن استمرار الوضع القائم غير قابل للتحمل. بين الهاجسَيْن يتشكل موقف شعبي حذر: قبول أي ترتيبات تخفف المعاناة، ورفض أي تغييرات تُشعرهم بأنهم خارج معادلة اتخاذ القرار.

المعارضة للقرار ليست فلسطينية فقط. فحتى في بعض الأوساط العربية والدولية هناك من يرى أن القرار مغلف بلغة إنسانية لكنه يخفي ترتيبات سياسية وأمنية ستعيد تشكيل الصراع بدل إنهائه.

هذه القراءة المتشائمة تعتبر أن المؤسسات الدولية أخفقت مرارًا في فرض حلول عادلة، وأن إدخال قوة دولية إلى منطقة محاصرة مثل غزة قد يعزز أشكالًا جديدة من التحكم الخارجي بدل أن يعالج جذور الأزمة.

عدد من المثقفين والنشطاء الفلسطينيين يحذرون من أن الإدارة الانتقالية قد تتحول إلى “مجلس وصاية” فعلي، يقرر من يحكم غزة ومن يُستبعد، بعيدًا عن صناديق الاقتراع أو التوافق الوطني.

الخشية هي أن يشكل الفراغ السياسي فرصة لتطبيق رؤية خارجية لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، بحيث تُفرض وقائع جديدة يصعب تغييرها لاحقًا.

الدور الخفي: هندسة سياسية أكثر منه عملية إنقاذ

هناك قراءة أخرى تنتشر في الدوائر السياسية العربية والدولية تقول إن القرار ليس فقط مشروعًا لوقف الحرب، بل خطوة في إطار أوسع لإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني والإقليمي.

التفسير هنا يشير إلى محاولة تأسيس واقع جديد في غزة قبل أي مفاوضات مستقبلية، بحيث يدخل الفلسطينيون – سلطة وفصائل – في بيئة سياسية وأمنية رسمتها أطراف خارجية، لا يمكن الخروج منها بسهولة.

إسرائيل والقرار: تنفيذ عبر الخارج لما عجزت عنه عبر الداخل

في نظر العديد من المتابعين، إسرائيل وجدت في القرار الدولي فرصة ذهبية:

فهي تحصل على نزع السلاح كهدف معلن للقوة الدولية، وعلى جهة أجنبية تتعامل مع الأنفاق ومخازن السلاح، وعلى ترتيبات حدودية صارمة.

هذا يُعد ترجمة غير مباشرة للأهداف التي حاولت إسرائيل تنفيذها على مدى سنوات ولم تنجح في تحقيقها كليًا عبر العمليات العسكرية.

القوة الدولية: بديل لخطة نتنياهو؟

يذهب بعض المحللين إلى أن القوة الدولية قد تكون عمليًا النسخة المطورة من خطة نتنياهو القديمة المتعلقة بتدمير البنية العسكرية للفصائل ونزع السلاح.

فإذا كانت إسرائيل فشلت في فرض هذه الخطة بالقوة المباشرة، فإن القوة الدولية قد تشكل الأداة التي تنفذها لكن بغطاء شرعي ودولي، ومن دون أن تتحمل إسرائيل تبعات سياسية أو إنسانية.

هل تفعل القوة الدولية ما لم تستطع إسرائيل فعله؟

القوة الدولية – وفق تكليفها المتوقع – ستكون قادرة على الوصول إلى مناطق حساسة والقيام بعمليات تفتيش قد تعجز إسرائيل عن تنفيذها دون ردود فعل كبيرة.

لكن أي محاولة حقيقية لنزع السلاح ستضع هذه القوة في مواجهة مباشرة مع الفصائل، وهذا السيناريو يحمل مخاطر عالية وقد يعيد تفجير الوضع الأمني.

ملف الأنفاق: تقنية خارجية أم فخ داخلي؟

الحديث عن قدرة القوة الدولية على كشف الأنفاق يثير جدلًا واسعًا.

الأنفاق ليست مجرد بنية عسكرية، بل جزء من معادلة الأمن لدى الفصائل، ومحاولة الاقتراب منها قد تثير مواجهة واسعة.

التقنيات الدولية قد تساعد، لكن المعرفة الميدانية التي تتطلبها هذه المهمة تجعلها مرشحة لأن تصبح أكثر النقاط حساسية وربما انفجارًا.

فلسطينيون بين القبول والرفض والحذر

الشارع الفلسطيني يختلف في تقييمه للقرار:

منهم من يرى أنه فرصة لالتقاط الأنفاس، ومنهم من يراه بداية لوصاية جديدة، ومنهم من ينتظر ليرى ما الذي سيحدث على الأرض قبل اتخاذ موقف.

لكن الجميع تقريبًا يشعر بأن مستقبل غزة يُعاد رسمه خارج حدودها، وأن غياب التوافق الفلسطيني الداخلي يضعف القدرة على التأثير.

غزة بين مشروعين متصادمين

تقف غزة اليوم بين مشروعين متناقضين:

1. مشروع دولي يهدف إلى إعادة رسم القطاع وفق معايير أمنية صارمة.2. مشروع مقاوم يرى أن نزع السلاح يعني إنهاء التوازن القائم وتفريغ المقاومة من معناها.

القوة الدولية قد تصبح نقطة الاحتكاك بين هذين المشروعين، ما يجعل المستقبل مفتوحًا على احتمالين كبيرين: استقرار مشروط أو صدامات غير متوقعة.–

غزة بين خيط أمل وخيط خطر

وراء القرار طبقات متعددة:

طبقة إنسانية معلنة،

طبقة سياسية حذرة،

وطبقة أمنية ربما تكون الأكثر تأثيرًا.

ومع مرور الوقت، ستكشف القوة الدولية ما إذا كانت جاءت لحماية المدنيين وإعادة إعمار القطاع، أم لإعادة تشكيل المشهد بما يتجاوز رغبات الأطراف المحلية.

تبقى غزة اليوم معلّقة بين خيطين:

خيط أمل يحتاج إرادة صادقة،

وخيط خطر يحتاج وعيًا فلسطينيًا موحدًا حتى لا يتحول المستقبل إلى إعادة إنتاج للأزمات بصيغة أشد تعقيدًا.