مستقبل الديمقراطية بين التراجع والعودة للتسلط!
رائد قاسم يكتب
- dr-naga
- 18 نوفمبر، 2025
- رأي وتحليلات
- أمريكا, الثورات, الديمقراطية, السياسة, القوي العسكرية, رائد قاسم
هل الديمقراطية والنظام المدني كيانٌ استعلائيٌّ مفروض على المجتمع البشري، وهو لذلك يحتاج إلى تنمية وتجديد مستمرَّين لكي يبقى، وإلا فإن البيئة البشرية ستعود إلى سيرتها الأولى، وهي هويات ما دون الدولة والنظام الجامع؟
بمعنى آخر: هل يمكن القول إن الديمقراطية نظامٌ عارض غير متوافق مع طبيعة البشر القائمة على الخضوع لسلطة مركزية نافذة لتحيا بأمان واستقرار، وإنها في جوهرها ليست سوى نظام تتحكم به طبقات بورجوازية رأسمالية إمبريالية تمسك بزمام الأمور على الحقيقة، فيما تعيش المجتمعات في إطار هامش محدد منضبط يُطلق عليه عُرفاً «حريات مدنية»، إلا أن ما تعيشه في الواقع العميق ليس سوى حياة داخل صندوق مُحكَم الإغلاق؟
فرنسا مثلاً، التي تُعدُّ ثورتها من أعظم الثورات في العالم، والتي هدفت إلى العدالة الاجتماعية والإصلاح السياسي والحريات المدنية، تتبنّى اليوم ديمقراطية معيبة بسبب ضعف حقوق المهاجرين واللاجئين وبعض الفئات في المجتمع الفرنسي
ونقف هنا عند حقيقة أن نسبة الدول المحسوبة على الديمقراطية، الكاملة منها والناقصة، تبلغ 48.4%. إذ تضم قائمة الدول ذات الديمقراطية المعيبة دولاً عريقة مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبلجيكا، بينما تحكم العالم أنظمة تسلطية وهجينة بنسبة 51.6%. وفي حال انهيار النظام الديمقراطي، فإن النظام الذي سيسود هو نظام الدولة التسلطية القائم على السلالة الحاكمة أو القبيلة أو الفئة الإشرافية أو القوى العسكرية. وبالتالي: هل الديمقراطية نظام دخيل، بينما الحكم المركزي هو المتوافق مع الفطرة البشرية؟
الحقيقة أنها مسألة معقدة حقاً.. فرنسا مثلاً، التي تُعدُّ ثورتها من أعظم الثورات في العالم، والتي هدفت إلى العدالة الاجتماعية والإصلاح السياسي والحريات المدنية، تتبنّى اليوم ديمقراطية معيبة بسبب ضعف حقوق المهاجرين واللاجئين وبعض الفئات في المجتمع الفرنسي، وظهور مشاريع تشريعات مخالِفة للحقوق المدنية، وانحسار ثقة الجمهور بالطبقات السياسية، وقوة اليمين الفرنسي المعادي للمهاجرين والمتحفظ على القيم العلمانية.
فلنعد إلى محاولة الإجابة عن السؤال المطروح: هل الديمقراطية بناءٌ فوقيٌّ مفروض، وبالتالي غير منسجم مع طبيعة الشعوب، وعلى هذا فهي ليست حتمية تاريخية ولا نهاية التاريخ، بل مرحلة ستنتهي يوماً لتعود البشرية إلى سابق عهدها من سيادة النظم البطريركية الحديدية؟
إن أي نظام يقوم في بدايته على المقومات والإمكانيات المتوفرة. نظام المواصلات -مثلاً- كان يعتمد على الحيوانات والعربات، وهو نظام بسيط في متناول معظم الأمم، لكن المواصلات تطورت بشكل هائل حتى وصلت اليوم إلى السيارات الطائرة، التي قد تظهر خلال العقود المقبلة! فهل هذا التطور عارض؟ ليس كذلك. وهل يمكن أن ينهار ويعود البشر إلى المواصلات البدائية؟ يمكن أن يحدث هذا بالطبع.
إن الدولة بما تشمله من كيان سياسي ومؤسسة حكم لها عمر افتراضي، إذ لا بد أن يأتي يوم وتنتهي، حتى لو كانت دولة ديمقراطية وصلت لأعلى مستويات الكفاءة والاقتدار
وسائل الاتصالات كانت بدائية أيضاً مع الحمام الزاجل والرسائل الورقية، ثم تطورت حتى بلغت ما هي عليه اليوم… فهل يمكن أن تنهار وتعود إلى بدائيتها؟ نعم، ممكن. وهل هو تطور عارض؟ لا، إنه تطور طبيعي قائم على التراكم المعرفي.
الدولة منظومة متطورة في الاجتماع البشري، تضم غالباً قبائل وأعراقاً وطوائف تعيش في بقعة واحدة، ويمثلها نظام سياسي واحد يدير الإقليم الذي تقيم عليه. الدولة هنا مؤسسة تمثل آخر ابتكار بشري لإدارة شؤون المجتمعات في إطار الكيان السياسي المعبر عنه بالوطن، الذي بدأ يترسخ ليصبح الهوية الأولى للمنتمين إليه.
لعل هذا الرسوخ سائد في أوروبا بشكل أفضل من غيرها؛ فتجارب انفصال إيرلندا الشمالية وإسكتلندا في بريطانيا، وإقليم كتالونيا في إسبانيا، انتهت تقريباً بسبب قوة ورسوخ الانتماء الوطني، بينما تعاني دول شرق أوسطية وأفريقية من ضعف الانتماء للكيان الوطني، الأمر الذي سبّب الكثير من الحروب الأهلية والأزمات، التي انتهى بعضها بنشوء دول جديدة، كدولة جنوب السودان مثلاً.
من ناحية أخرى، إن الدولة بما تشمله من كيان سياسي ومؤسسة حكم لها عمر افتراضي، إذ لا بد أن يأتي يوم وتنتهي، حتى لو كانت دولة ديمقراطية وصلت لأعلى مستويات الكفاءة والاقتدار. ولكن نهاية مؤسسة الدولة في الأمم الناهضة لا يعني نهاية الأمة أو نهاية الوطن، إذ يمكن إعادة بناء الدولة مرة أخرى مع الاحتفاظ بكافة الإنجازات والقدرات والإمكانيات.
الديمقراطية ثقافة راسخة ومعرفة وممارسة وأسلوب حياة، علاوة على أنها مؤسسات وقدرات وإمكانيات يجب أن تتوفر لكي يمكن إعادة إنتاجها
في بريطانيا قد شهدنا محاولة انفصال إسكتلندا وقبلها إيرلندا، وقد تنفصلان يوماً ما، وقد يؤدي ذلك إلى نهاية المملكة المتحدة كما نعرفها، ولكن ذلك لا يعني نهاية الأمة الإنجليزية؛ إذ يمكن إعادة تأسيس دولة جديدة وبنظام سياسي أرقى، لتعود لندن مدينة عالمية مزدهرة.
وتُعد ولاية كاليفورنيا قلب أميركا النابض، وهناك تيارات تطالب بانفصالها وتأسيس جمهورية مستقلة. ولكن زوال الدول قدر لا يمكن تجاوزه، إلا أن الأمة التي أسست دولة عظمى كأميركا يمكن أن تبني دولة جديدة إذا حافظت على قدراتها وإمكانياتها. وقد حدث هذا في الشرق الأدنى؛ فعندما سقط الاتحاد السوفييتي كانت روسيا وريثه الشرعي في إمكانياته الاقتصادية وجيشه الضخم وترسانته النووية وقدراته العلمية والبشرية، وها هي اليوم تسعى لإنشاء قطب عالمي جديد ينافس القطب الغربي.
إن الديمقراطية ليست نظاماً يُفرض فرضاً قهرياً. لقد حاولت قوى دولية عدّة فرض الديمقراطية، فظهرت كيانات سياسية مشوّهة وفاشلة كأفغانستان مثلاً، حيث فُرضت الديمقراطية على هذا البلد ولم يكن قادراً على ممارستها؛ لأنها في جوهرها ثقافة ونظام وأسلوب حياة أكثر مما هي ممارسة سياسية، فنتج نظام هش وفاسد. وظهر جلياً كيف استقرت أفغانستان بعد أن حُكمت من قبل نظام مركزي تقليدي.
وهذا ما نادى به أحد المفكرين الخليجيين قبل أكثر من عشرين عاماً، حين دعا إلى دعم أفغانستان بغض النظر عن الجهة التي تحكمها، وأن الاستقرار وانتهاء الحرب الأهلية أهم من كل شيء لأنه أساس كل شيء، وأن طالبان سوف تؤسس مؤسسة دولة قوية ومسيطرة، وبالتالي يمكن ممارسة التغيير من خلالها.
الديمقراطية نظام بشري يصيبه التقادم، والمحافظة عليه بالتطوير والإصلاح أمر لا مفر منه، لا من أجل بقاء الدولة، التي هي مؤسسة لا بد أن تصل إلى مرحلة الانهيار في يوم ما، ولكن من أجل بقائه كثقافة ومعرفة راسخة في المجتمع
وقد اتضح صدق هذه الدعوة رغم ما فيها من صعوبات وتحديات، إلا أنها الطريق الوحيد، خاصة بعد فشل الراديكالية الغربية والأميركية القائمة على الإسقاط القسري. والرهان قائم على أن القيادة الأفغانية ستُجبر على الأخذ بأسباب النهوض ومقومات الرخاء والتفاعل بإيجابية مع الثقافة العالمية والأسس المبدئية لحياة الإنسان المعاصرة.
إن الديمقراطية ثقافة راسخة ومعرفة وممارسة وأسلوب حياة، علاوة على أنها مؤسسات وقدرات وإمكانيات يجب أن تتوفر لكي يمكن إعادة إنتاجها. فلنفترض أن دولة ديمقراطية زالت: أيمكن أن تُؤسَّس دولة شمولية على أنقاضها؟ أم إن شعبها سيتمكن من إنشاء دولة ديمقراطية أخرى، قد تكون بأنظمة أكثر تطوراً؟
من وجهة نظري، يمكن ذلك إذا كانت الديمقراطية نظاماً راسخاً، وإذا كان سقوط الدولة لم يؤدِّ إلى سقوط المؤسسات وزوال القدرات والإمكانيات. وإلا فإن شكل النظام القادم في حال انهيارها وضعفها سيكون بناء على معطيات الواقع الجديد، وستظهر مراكز قوى مرتبطة به، وستعمل على ترسيخه بما يؤدي إلى إنشاء دولة أقل تحضراً ومدنية من الدولة السابقة، باعتبار أن الديمقراطية أرقى ابتكار سياسي صنعه الفكر البشري، على الأقل حتى وقتنا الراهن.
لكن الديمقراطية –من ناحية أخرى– نظام بشري يصيبه التقادم، والمحافظة عليه بالتطوير والإصلاح أمر لا مفر منه، لا من أجل بقاء الدولة، التي هي مؤسسة لا بد أن تصل إلى مرحلة الانهيار في يوم ما، ولكن من أجل بقائه كثقافة ومعرفة راسخة في المجتمع، بحيث يمكن إعادة إنتاجها وممارستها مرة أخرى، لتظهر دولة أطول عمراً وأقوى ديمقراطية.
في بريطانيا بالغت الدولة في احترام آراء مواطنيها؛ فالانسحاب من الاتحاد الأوروبي جاء نتيجة لاستفتاء شعبي، وهذا كان خطأ كبيراً، فمسألة كهذه يجب أن تكون بيد مجلس النواب لأنها قضية ذات أبعاد وارتدادات كبيرة
أميركا–مثلاً– نظامها الديمقراطي يعاني مشكلات جمّة، منها نظام المجمع الانتخابي الذي يمكن أن يُنتخب الرئيس من خلاله حتى لو لم يحصل على أغلبية أصوات الناخبين. وتعد أميركا الدولة الديمقراطية الوحيدة التي لا يُنتخب فيها الرئيس مباشرة. ومن تلك المشكلات بروز الجماعات الشعبوية والقوى الأيديولوجية المتطرفة، وتنامي دور المصالح الاقتصادية على حساب المصالح الوطنية (مثلاً: حق اقتناء الأسلحة رغم أضرارها الفادحة على المجتمع الأميركي).
وفي بريطانيا بالغت الدولة في احترام آراء مواطنيها؛ فالانسحاب من الاتحاد الأوروبي جاء نتيجة لاستفتاء شعبي، وهذا كان خطأ كبيراً، فمسألة كهذه يجب أن تكون بيد مجلس النواب لأنها قضية ذات أبعاد وارتدادات كبيرة. وقد عبّر العديد من المواطنين عن رغبتهم في إعادة التصويت، وقال بعضهم إنهم لم يكونوا على علم كاف بخطورة القضية. وفي عهد مارغريت تاتشر فُرضت ضريبة السكن فاندلعت مظاهرات عارمة تطالب بإلغائها، فقالت تاتشر: «الانتخاب مرة واحدة وليس كل يوم؛ لقد انتخبوني لأقرر».
قد تكون الديمقراطية مرحلة مؤقتة مرتبطة بالتطور الحضاري فقط؛ فإن تراجع هذا التطور تراجعت معه حتى تنحسر ويعود العالم إلى سيادة الأنظمة التسلطية التقليدية. إلا أن منجزاتها وإفرازاتها وآثارها ستبقى لقرون قادمة، لتؤكد قيمة الحرية كحق وممارسة ونظام في الحياة والحضارة الإنسانية.
المصدر: الجزيرة