إيران تتحدّى الضربات وتُحيي مخاوف انفجار الصراع النووي
جاء بلغة حادة ومباشرة
- السيد التيجاني
- 16 نوفمبر، 2025
- تقارير
- إسرائيل, إيران, البرنامج النووي, الولايات المتحدة, تخصيب اليورانيوم, طهران
أعاد تصريح مسؤول إيراني رفيع بأن “البرنامج النووي قائم” رغم ما دمّرته الضربات الأمريكية والإسرائيلية، إحياء النقاش الدولي حول مستقبل الملف النووي ومستقبل المنطقة بأكملها. التصريح، الذي جاء بلغة حادة ومباشرة،
لم يكن مجرد ردّ على الهجمات، بل بدا كرسالة سياسية محسوبة تتجاوز حدود الداخل الإيراني، موجّهة إلى واشنطن وتل أبيب والعواصم الأوروبية.
ورغم أن الضربات التي استهدفت عدداً من المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية وُصفت بأنها “الأشد خلال الأعوام الأخيرة”، فإن طهران تسعى لإظهار نفسها كقوة قادرة على امتصاص الضربة والرد عليها سياسيًا وتقنيًا، دون الاعتراف بحدوث اختراق استراتيجي في بنيتها النووية.
البرنامج النووي بعد الهجمات: بين الرماد والقدرة على التعافي
تُصرّ طهران على أن الهجمات لم توقف العمل في منشآت التخصيب، وأن ما تعرّض للدمار “مرافق خارجية وليست قلب البرنامج”. ويأتي هذا الإصرار متماشيًا مع نهج إيراني ثابت يقوم على تجنب إعطاء أي مظهر للضعف أمام الضغوط العسكرية.
رسائل للداخل: لا تراجع عن التخصيب
في الداخل، يشكّل البرنامج النووي أحد ركائز الخطاب الوطني الإيراني، وترى القيادة أن أي تراجع عنه يُعدّ تنازلاً استراتيجيًا قد يُستغل سياسيًا. لذلك، يأتي التأكيد بأن “كل شيء قائم” كجزء من رسالة طمأنة للشارع، وتأكيد لاستمرارية المشروع الذي تصفه الحكومة بأنه “حق سيادي لا يخضع للمساومة”.
المحلل السياسي الإيراني، الدكتور نادر حسين، يرى أن التصريح “موجّه بالدرجة الأولى إلى مؤسسات السلطة داخل إيران، لقطع الطريق أمام الأصوات التي تطالب بإعادة تقييم المواجهة المباشرة مع واشنطن وتل أبيب”. ويضيف: “البرنامج النووي في إيران ليس قضية تقنية فحسب، بل رمز استقلال سياسي”.
رسائل للخارج: الضربة لم تُنهِ القدرة التقنية
من زاوية أخرى، يحمل التصريح رسالة واضحة للخارج: أن الضربات الجوية لم تنجح في تدمير قدرات إيران على تخصيب اليورانيوم. ويعتقد خبراء في الشأن النووي أن أغلب القدرات الإيرانية أصبحت موزعة، ومحمية، وأحيانًا مدفونة في منشآت تحت الأرض.
بينما يشير الخبير الأمني الإقليمي، المهندس فوزي حمادة، إلى أن “الهجمات ربما سببت أضرارًا ملموسة، لكنها لم تمس جوهر المعرفة النووية”. ويضيف: “إيران بنت برنامجها بطريقة تسمح لها باستعادة القدرة التشغيلية بسرعة، حتى لو خسرت جزءًا من المعدات”.
تحذير مبطن: الردّ ممكن
التصريح الإيراني تضمن أيضًا إشارة إلى أن طهران “لن تقف مكتوفة الأيدي” في حال تكرّر استهداف منشآتها النووية. هذا النوع من العبارات لا يُطلق عادة بلا حسابات دقيقة، بل يعكس رغبة إيرانية في ردع أي ضربات مستقبلية دون الدخول في حرب مفتوحة.
المفاوضات النووية: حوار لم يمت ولكنّه مريض
رغم التصعيد العسكري، لا تزال المفاوضات النووية — وإن كانت في غرف مغلقة — قائمة بشكل غير مباشر. فكل من واشنطن وطهران تدركان أن الصدام الكامل مكلف، وأن التوصل إلى إطار تفاهم ولو محدود ، يبقى خيارًا أفضل من الفوضى.
إيران: “التخصيب خط أحمر”
تؤكّد طهران أنها لن تتخلى عن تخصيب اليورانيوم بأي حال. وحتى في جولات التفاوض السابقة، كانت هذه النقطة غير قابلة للنقاش. التصريح الأخير يندرج في هذا السياق: ترسيم الخط الأحمر مجددًا، بلهجة أعلى من السابق.
يقول الدبلوماسي الإيراني السابق، السفير محمد جواد آبديني، إن “الضغوط العسكرية لا تؤدي إلى تنازلات، بل إلى تشدد أكبر في المفاوضات”. ويرى أن بلاده تستخدم “استراتيجية الصمود” لرفع سقفها التفاوضي.
واشنطن: التفاوض ضرورة لا رغبة
في المقابل، يدرك الأمريكيون أن هجمات متتالية لن توقف البرنامج الإيراني تمامًا، وأن أي مواجهة واسعة قد تؤدي إلى زعزعة الأسواق العالمية، وتهديد الملاحة، وارتفاع أسعار الطاقة. لذلك، تبقى واشنطن راغبة في إبقاء باب التفاوض مفتوحًا، ولو بمستوى منخفض.
ومع ذلك، فإن الإدارة الأمريكية تواجه ضغوطًا داخلية من المعارضة، التي ترى أن “اللين مع إيران شجّعها على التمادي”. هذا الانقسام ينعكس مباشرة على سياسات واشنطن تجاه الملف النووي.
أوروبا: قلق من الانهيار الكامل للاتفاق
تبدو العواصم الأوروبية — لندن، برلين، باريس — أكثر قلقًا من احتمال انهيار مسار المفاوضات. فغياب الاتفاق النووي يعني سباق تسلح جديد في الشرق الأوسط، وهو سيناريو تخشاه أوروبا بسبب تداعياته الأمنية والاقتصادية.
يقول الخبير الأوروبي في فض النزاعات، الدكتور جان ليون: “الاتفاق النووي لم يكن مثاليًا، لكنه كان يكبح جماح التخصيب. اليوم، نشهد خطر فقدان السيطرة بالكامل”.
احتمالات التصعيد في المنطقة: شرارة قد تشعل مسرحًا واسعًا
الشرق الأوسط يعيش أصلاً على وقع توترات متعددة من غزة إلى العراق إلى سوريا — وأي اشتعال جديد قد يحوّل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوحة. وملف إيران النووي دائمًا كان العنصر الأكثر حساسية في هذا المشهد المعقّد.
إسرائيل: “لن نسمح لإيران بالوصول إلى القنبلة”
بالنسبة لإسرائيل، البرنامج النووي الإيراني تهديد وجودي، وليس سياسيًا فقط. لذلك، ستستمر في استخدام القوة لمنع إيران من الاقتراب من العتبة النووية. تصريحات المسؤولين الإسرائيليين تشير إلى أن الهجمات الأخيرة لم تكن “الأخيرة”.
الخبير العسكري الإسرائيلي، يهودا بن ديفيد، يرى أن “إسرائيل تعتقد أن الوقت يضيق، وأن إيران تقترب من مستويات تخصيب عالية قد تجعل امتلاك القنبلة مسألة أسابيع إذا قررت ذلك”.
إيران وحلفاؤها: مساحة واسعة للرد
إيران تمتلك أدوات ضغط واسعة في المنطقة — من حزب الله إلى الفصائل في العراق وسوريا واليمن — ما يعني أن أي ضربة جديدة قد تفتح الباب أمام رد غير مباشر، وربما على جبهات متعددة.
وقد تسعى طهران للرد بطريقة “محسوبة” — لا تؤدي إلى حرب شاملة، ولكن ترفع كلفة استهدافها — وهو أسلوب استخدمته مرارًا في السنوات الأخيرة.
الخليج: بين تهدئة ضرورية ومخاوف تاريخية
دول الخليج لا ترغب في التصعيد، لكنها قلقة من تطور البرنامج الإيراني دون ضوابط. فامتلاك طهران قدرة نووية — حتى لو كانت “قابلية نووية” فقط — قد يدفع المنطقة إلى سباق تسلح غير مسبوق.
وهذا الأمر سيعيد توجيه مليارات الدولارات من التنمية إلى الدفاع، ويزيد من هشاشة الأمن الإقليمي.
احتمال انفجار شامل
إذا استمرت الهجمات، أو إذا قررت إيران تسريع التخصيب كردّ سياسي، فقد تصل المنطقة إلى “نقطة اللاعودة”. ويخشى مراقبون من سيناريو يتضمن:
ضربات إسرائيلية متكررة
ردود إيرانية عبر وكلاء
تدخل أمريكي لحماية المصالح
انهيار كامل لمسار المفاوضات
السؤال الأكبر اليوم: هل ما زال بإمكان الأطراف تجنّب هذا السيناريو؟
إيران تصرّ… والمنطقة على صفيح ساخن
التصريح الإيراني بأن “البرنامج النووي قائم” ليس مجرد جملة سياسية، بل إعلان عن استمرار مسار طويل ومعقّد، رغم الضغوط والهجمات. المفاوضات لا تزال موجودة، لكنها ضعيفة ومهددة بالانهيار. وفي الوقت نفسه، المنطقة مهيأة لمرحلة جديدة من التوتر قد تنفجر عند أي خطأ أو سوء تقدير.
يبقى أن المجتمع الدولي أمام خيارين:
• إحياء مسار تفاوضي جديد يمنع التصعيد
• أو الانزلاق نحو صدام قد يغيّر خرائط المنطقة