ماذا يحدث في هذه المنطقة من العالم؟

يبدو العالم كأنه يشهد نهاية عصر وولادة آخر

علي عبدالرازق

في زمن تتسارع فيه الأقدار، يبدو العالم كأنه يشهد نهاية عصر وولادة آخر، حيث تتدفق التغييرات الجيوسياسية كالأنهار الجارفة.

جيوسياسية، العلاقة بين الجغرافيا والسياسة، هذه العلاقة تغسل حدود القوى القديمة، وتزيل أسوارًا لطالما غرست، وترسم حدودًا وخطوطًا وخرائط جديدة للتحالفات.

سوريا

مثال على سقوط مشروع إيران الدموي:

سقوط نظام، وسقوط مشروع، وسقوط محور، وسقوط تحالف، وصعود قوة سنية سورية مقاتلة، تسعى لوضع سوريا في مكانها الصحيح، في خريطة العالم القادم.

كيان اليهود

يرى انهيار مصالحه في عالم لم يعد كله يعمل لصالحه، ويرى ضعف مكانه ومكانته وضعف لوبياته، مما اضطره لاستخدام أدق أوراقه السرية، ودفع برئيس وزراء اليهود لتهديد العالم حين قال: «بكبسة زر يمكن تركيع أمم»

ولكنها تهديدات الضعيف الذي فقد أنيابه ويرفع من صوته بسبب عدم رؤيته لمن كانوا يخافون منه قبل سنوات قليلة.

هل أدرك القادة العظماء فجأة أن ما يجري ليس مجرد صراعات عرضية، بل تحول جذري في النظام العالمي؟، نقلة حضارية يقبل عليها العالم بسرعة مذهلة بمقاييس التاريخ!

تحول تتحكم فيه ليس السياسات وحدها، بل مزيج من الضرورات الاقتصادية والمخاوف الأمنية، والصراعات والنزعات المحلية والدولية، والخطط المصيرية لبعض الدول كروسيا وما تريده في أوكرانيا، والصين وما تريده في تايوان، وإسرائيل وما تريد أن تكون عليه سوريا وغزة، وأمريكا وما تريد أن تكون عليه المنطقة في المستقبل.

تحولات تاريخية أخرى، في أبعد المناطق، مثل آسيا الوسطى – تلك المنطقة الغنية بالكنوز الطبيعية، التي كانت لعقود حكرًا على روسيا والصين، وأصبحت اليوم ساحة لـ«اللعبة الكبرى» الجديدة بين واشنطن وأنقرة وغيرهم.

في صيف 2021، عندما اقتحمت قوات طالبان كابل بسرعة خاطفة، ودخلت قصر الرئاسة وتقاسمت المطار مع القوات الأمريكية المنسحبة في فوضى وارتباك، كتبت أمريكا بانسحابها نهاية عصر الهيمنة وفرض الإرادة وإخضاع الشعوب.

كان ذلك الانسحاب، الذي شهده العالم كله عبر شاشات التلفاز، إشارة إلى تراجع النفوذ الأمريكي في أفغانستان والعالم، بل وتراجع العالم نفسه واختفاء خطوط لطالما ظلت حمراء ملتهبة، وفتح أبوابًا لتغييرات أعمق في كل مكان

أشهر قليلة فقط بعد الإنسحاب من أفغانستان، في فبراير 2022، اندلعت حرب كبرى بين روسيا وأوكرانيا، حرب راهن العالم كله على أنها تقترب، حتى أن الرئيس الأمريكي آنذاك جو بايدن أعلن جازمًا أن فلاديمير بوتين سيعلنها خلال ساعات.

كان بوتين، الذي وُصف لسنوات كأقوى رجل في العالم، صاحب أكبر سلطة عسكرية واقتصادية، قد حذر قبل أسابيع من الحرب، معتبرًا أن أمريكا والغرب يسعيان لاستدراج روسيا إلى مصيدة تدمرها عسكريًا واقتصاديًا.

مصيدة لم تجد روسيا لنفسها طريق أخر تسير فيه، وسارت نحو المصيدة وبدأت الحرب، وخسرت موسكو مئات الآلاف من الجنود، ومئات المليارات من الدولارات، ومخزونات هائلة من الأسلحة، مما أضعف هيبتها كقوة إقليمية في سوريا وعالمية أمام أوروبا وأمريكا

وخسرت أمريكا وأوروبا في الحرب التي قامت بها أوكرانيا بالوكالة عن الجميع.

حول روسيا “منطقة خطرة” مكونة من خمس دول إسلامية يُسمونها دول آسيا الوسطى: كازاخستان، قرغيزستان، طاجيكستان، تركمانستان، وأوزبكستان.

هذه الدول، تعج بالكنوز: نفط وغاز وقطن ومعادن نادرة مثل الليثيوم والنحاس، أساس الثورة الرقمية.

منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وهذه الدول تحت مظلة روسية ثقافية وعسكرية واقتصادية، ونجحت روسيا في جعل التراث التركي – الذي يعود إلى الإمبراطوريات التركية القديمة – مهجورًا نسبيًا.

كانت روسيا تقول إنها تحمي «الناطقين بالروسية» كحجة للتدخل، في احتلال جورجيا عام 2008، وهذا أثار مخاوف هذه الدول، إذ يعيش فيها ملايين الروس، مما يجعل حجة موسكو لأي تدخل محتمل جاهزة دائمًا.

هذه الحجة وهذا السبب هو نفسه الذي استخدمه هتلر، وهو يأخذ بالعالم إلى الحرب العالمية الثانية، وصراع بوتين الحالي في أوكرانيا يحمل نفس الحجة ونفس السبب.

أما الصين، فقد دخلت منطقة آسيا الوسطى بقوة مخيفة، واستثمرت عشرات المليارات في البنية التحتية: خطوط غاز وسكك حديدية تربط المنطقة ببكين.

لكن هذا الازدهار جاء مدفوعًا بديون هائلة على هذه الدول، واشترت بكين الغاز بأقل بكثير من الأسعار العالمية، مما ربط هذه الدول بها كرهائن اقتصاديين.

هذا جعل هذه الدول تفكر في تغيير خط السير والمسار، واقتربت من أمريكا وتركيا، وهذا كان خطًا أحمر روسيًا قبل حرب أوكرانيا، إذ كانت هذه الدول تخشى غضب موسكو وبكين، مما حد من الدخول الغربي و التركي و الأمريكي إلى هذه المنطقة الخطرة.

وجاءت حرب أوكرانيا غيّرت كل شيء.

تراجع النفوذ الروسي وزادت المخاوف من الهيمنة الصينية، وبدأت دول آسيا الوسطى بالفعل في الانفتاح على الأتراك والأمريكيين، ونمت المنطقة اقتصاديًا بنسبة 5-6% في 2024

دخلت أمريكا المشهد بقوة، وعقدت مع الدول الخمسة قمم ولقاءات، واكتسبت العلاقات زخمًا حقيقيًا وعلاقات وصفقات بعشرات المليارات، وخاصة بعد 2022، أي بعد سقوط الروس في وحل الحرب في أوكرانيا، وصعوبة خروجهم منها.

أما تركيا، فقد أصبحت قوة ثقافية واقتصادية سريعة الانتشار عبر منظمة الدول التركية، مع التركيز على اللغة والثقافة والدين والأمن.

في 2024، وقّعت تركيا اتفاقيات تجارية تفضيلية مع أوزبكستان، واشترت لحومًا كازاخية بضعف سعر الصين، وتحدث رؤساء هذه الدول باللغة التركية

وفي سبتمبر 2024 اتفقوا جميعًا على أبجدية مشتركة من 34 حرفًا لتعزيز التواصل بين 170 مليون تركي، وأكدت الدول التزامها بالاندماج الاقتصادي والرقمي.

ترى هذه الدول تركيا «بديلًا ثقافيًا آمنًا»، يمكن اللجوء إليه في مواجهة أي ردة فعل روسية صينية، خاصة مع تراجع موسكو وتوحش بكين

تغييرات مصيرية ومخاطر مستمرة تحدث هنا وهناك، ومساحات ينتهي فيها النفوذ القديم، وتصبح متاحة لأي نفوذ جديد.

في نيويورك، أهم مدينة في العالم ومعقل اليهود، يخسر اليهود فيها نفوذهم بشكل سريع لصالح المسلمين وقضاياهم، وهذا شيء لو تعلمون عظيم.

هذه التغييرات ليست محلية فحسب؛ إنما هي جزء من تحول عالمي يهز الثقافات والجغرافيا وكل شيء.

لن يكون التغيير سهلًا، وكل شيء له ثمن، فلم يتغير العالم ويواجه اليهود بصورتهم وصفاتهم الحقيقية، إلا بعد مجزرة استمرت عامين، قتل اليهود فيها ما يقرب من 100 ألف وأكثر منهم جرحى ومصابين.

في آسيا الوسطى، لم تأتِ فرصة الخروج من تحت الهيمنة الروسية لدول آسيا الوسطى، إلا بعد صراع روسي أوكراني ما زال حتى هذه اللحظة مشتعلًا، وقد قُتل فيه صفوة الصفوة من الجيشين، وأصبح اعتماد كل منهما على المرتزقة شيئًا ثابتًا وأساسيًا.

التغييرات ستأتي عندما يريد الله، ويبدو – والله أعلم – أنها ستمر على كل مكان في العالم، وقد مرت بالفعل على دول أخرهم مدغشقر، وقبلها بنغلاديش، وسريلانكا، ونيبال، ومحاولات انقلاب في أرمينيا وبوليفيا وتشاد وغينيا بيساو وحتى كوريا الجنوبية، تعرضت لمحاولة انقلاب فاشلة في أدت إلى عزل الرئيس في يناير 2025.

العديد من الدول شهدت تغييرات بالفعل، منها كل الدول العربية التي تحركت شعوبها في 2011، وطوفان الثورات الذي أخضع الشعوب لتجارب كثيرة قاسية وصعبة، كما في سوريا التي قد الله لها أن تنتصر وتقلع مشروع إيران من جذوره.

سيتغير كل شيء في هذا العالم وبسرعة.

آسيا الوسطى منطقة نفوذ جديدة، وساحة أصبحت متاحة للعرب والمسلمين.

وسوريا أصبحت مقرًا لقوة أهل السنة ومستقرًا للكتلة المقاتلة والجاهزة لأي تغييرات قد تطرأ، فأقدار الله تأتي بغتة وتغير خط سير الجميع فجأة إلى ما يريد الله.

وما يحدث في السودان وما يحدث في إفريقيا صورة من صور التغييرات، وما يحدث حتى اليوم في مالي، كل ذلك يقول أن التغييرات القادمة لن تترك قارة دون أن تتغير.

بول بريمر – الحاكم الأمريكي للعراق بعد سقوط صدام – قال: «يكفي ألف عام من الاحتلال السني للعراق»، وقدم العراق لإيران على طبق من ذهب.

إيران هي أكبر حليف لأمريكا في العراق، وأمريكا هي التي رحبت بوجودها فيها كحليف لها ضد أهل السنة ومقاومتهم، وترسخت قوة إيران في العراق وسوريا، والله الذي أذلهم في سوريا وأخرجهم منها هو القادر على إخراجهم من العراق.

العالم سيتغير، ومن لن يستعد للتغييرات ستفاجئه التغييرات لا محالة، والذين تحركوا منذ البداية هم الذين سيربحون.

ففي سوريا، حين اختفى الروس والإيرانيون وسقط بشار، وأصبحت سوريا أرض نفوذ جديدة، من الذي أصبح له الحق في مشاركة السوريين فرحتهم ونفوذهم؟ بلا شك تركيا، لأنها هي التي تحركت معهم من البداية.

التغييرات قادمة، بينما نحن العرب ليس لنا خطط لمواكبة التغييرات العالمية، ولا اللعب بأوراق الضغط التي نملكها، وليس للعرب خطط التحرك بالأسلحة والمقاتلين.

الإمارات وحدها هي التي تحارب خارج أراضيها ولها مقاتلون هنا وهناك، ولكن للأسف تعمل كقوة لأمريكا واليهود.

العالم ليس على موعد مع تغيير نظام عالمي فحسب، بل مع إعادة تشكيل الخرائط الجغرافية، والاقتصادية والسياسية والعسكرية، تغييرات في الجغرافيا والحدود، والله أعلم بما سيأتي وما قد يحدث. وللحديث بقية.