السلوك المفرط للإسرائيليين يثير الغضب في تايلاند

تنامي التوتر بين السكان والسياح الصهاينة

على جزيرة كوه فانجان التايلاندية الهادئة، حيث تمتزج رائحة جوز الهند مع نسيم البحر، قرر صاحب مطعم محلي أن يقول “كفى”. بعد أشهر من التعامل مع سلوكيات غير مقبولة من بعض السياح الإسرائيليين، وصل بوب، مالك مطعم “بون بون تاي فود”، إلى حدٍّ لم يعد يحتمل معه المزيد.

ويشير: كان بوب، الذي عمل لعقود في قطاع الضيافة، قد استقبل ملايين الزوار من أنحاء العالم، لكنه يقول إنه لم يشهد سلوكًا مشابهًا لذلك الذي واجهه من مجموعات من الإسرائيليين. “لقد أخذوا مناديل الطعام والتوابل دون إذن، تخطوا الطوابير، وشغلوا الطاولات دون أن يطلبوا شيئًا”.

لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. فعندما كان يتدخل بلطف لتصحيح تصرفاتهم، كانت النتيجة وابلًا من التقييمات السلبية عبر الإنترنت. “بعد أن طلبت من مجموعة منهم المغادرة، فوجئت بأكثر من أربعة آلاف تقييم سلبي، فتراجع تصنيف مطعمي من 4.8 إلى 2.2 نجمة”.

أوضح بوب لصحيفة عرب نيوز. وعلى الرغم من أن المنصات الإلكترونية أصلحت لاحقًا التقييمات غير العادلة، فإن التجربة تركت أثرًا نفسيًا عميقًا عليه.

في أكتوبر الماضي، اتخذ بوب قراره الصعب. علق لافتة على باب مطعمه كتب عليها: “لا دخول للإسرائيليين”. بالنسبة له، لم يكن ذلك قرارًا عنصريًا بقدر ما كان صرخة استياء من سلوك متكرر قال إنه لم يعد يحتمل.

تنامي التوتر بين السكان المحليين والزوار الإسرائيليين

لم تكن قصة بوب حادثة معزولة. فخلال الأشهر الأخيرة، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع وصور لسلوكيات مشابهة من بعض السياح الإسرائيليين في الجزيرة.

في مايو/أيار الماضي، التقط أحد السكان المحليين مقطعًا لامرأة إسرائيلية في مطعم تم طردها لعدم التزامها بالقواعد. وعندما طلب منها الموظف المغادرة، ردت قائلة: “أموالي تبني بلدك”، وهي عبارة أثارت غضبًا واسعًا بين التايلانديين الذين رأوا فيها استعلاءً وإهانة لكرامتهم.

بدأ السكان المحليون يوثقون مثل هذه الحوادث وينشرونها، مما أثار نقاشًا عامًا حول السياحة الإسرائيلية وسلوك الزوار. ومع تزايد الشكاوى، قدم أكثر من 200 من أصحاب الأعمال والسكان المحليين عريضة إلى حاكم مقاطعة سورات ثاني، طالبوا فيها باتخاذ إجراءات حازمة ضد “الأنشطة الإسرائيلية التي تسبب الضيق للمجتمع المحلي”.

أبيوات سريواتشارابورن، مساعد رئيس إحدى القرى في كوه فانجان، أقر بوجود قلق متزايد حول الأجانب الذين يديرون أنشطة تجارية غير مرخصة في الجزيرة.

وقال: “إذا كانوا هنا كسياح، فلا بأس. لكن عندما يبدأون بتشغيل مطاعم أو تأجير منازل دون ترخيص، فإن هذا انتهاك للقانون”.

وبحسب بيانات مكتب الهجرة التايلاندي، تقدم نحو 2627 مواطنًا إسرائيليًا بطلبات لتمديد تأشيراتهم في كوه فانجان حتى نهاية سبتمبر، من أصل حوالي ثمانية آلاف أجنبي. وهذا يجعل الإسرائيليين أكبر مجموعة تخضع للتحقيق بشأن نشاط تجاري غير قانوني محتمل.

السكان المحليون يرون أن هذه الأنشطة تضر باقتصادهم الصغير. إذ بدأ بعض الإسرائيليين بحسب الشهادات بتأجير المنازل للسياح، وفتح المطاعم وتنظيم الرحلات والجولات، وحتى تشغيل محال لتأجير الدراجات النارية، دون الحصول على تراخيص. هذه الممارسات لا تؤثر فقط على دخل السكان، بل تزيد أيضًا من الاحتقان الاجتماعي على الجزيرة.

تغير في طبيعة الزوار الإسرائيليين

يقول تان، أحد أبناء الجزيرة الذي تدير عائلته شركة محلية، إن مشكلات التعامل مع السياح الإسرائيليين ليست جديدة، لكنها ازدادت وضوحًا مع تزايد أعدادهم في السنوات الأخيرة. “في السابق، كانوا يأتون بمفردهم أو كمجموعات صغيرة، أما الآن فهم يأتون بعائلاتهم، ما خلق مجتمعًا إسرائيليًا متزايدًا في الجزيرة.”

بحسب التقديرات، من المتوقع أن يرتفع عدد الزوار الإسرائيليين إلى 350 ألف زائر بحلول عام 2025، بزيادة قدرها 25% عن العام السابق. ويرى تان أن هذه الزيادة السريعة تفرض تحديات ثقافية واقتصادية على مجتمع صغير مثل كوه فانجان.

“كعملاء، لديهم خصائص واضحة  يحبون المساومة الشديدة، وغالبًا ما يكونون متطلبين جدًا”، قال تان، مضيفًا أن هذا السلوك يختلف عن نمط السياح الآخرين في الجزيرة الذين يميلون إلى احترام الأعراف المحلية.

في المقابل، يؤكد بعض السكان أن ليست كل التجارب سلبية، فهناك زوار إسرائيليون ودودون ومحترمون. لكن المشكلة تكمن كما يقول تان  في أن “التصرفات القليلة السيئة تترك أثرًا كبيرًا، خاصة عندما تتكرر يوميًا في جزيرة صغيرة يعيش فيها الناس كعائلة واحدة.”

تداعيات أوسع ومخاوف اجتماعية واقتصادية

الدكتور مانوتش آري، الأستاذ المساعد في قسم العلوم السياسية بجامعة سريناخارينوروت، يرى أن المسألة تتجاوز مجرد سوء سلوك بعض السياح. فبعد اندلاع الحملة الإسرائيلية على غزة عام 2023، أصبحت تايلاند وجهة مفضلة للإسرائيليين، نظرًا لانفتاحها الثقافي وغياب أي عداء تاريخي تجاههم.

لكن هذا الانفتاح، كما يقول آري، أدى إلى نتائج عكسية. “مع تزايد أعداد الإسرائيليين المقيمين على المدى الطويل، بدأ السكان يشعرون بأن ثقافتهم تُستغل وأن اقتصادهم المحلي يُستحوذ عليه.”

يُزعم أن بعض الإسرائيليين استخدموا مواطنين تايلانديين كواجهات قانونية لتسجيل أعمالهم التجارية، ما يمنحهم غطاءً قانونيًا لممارسة أنشطة غير مرخصة. كما أشار السكان إلى أن الإسرائيليين يفضلون التعامل التجاري فيما بينهم فقط، دون إشراك المجتمع المحلي أو المساهمة في تنميته.

وأثار ظهور مدارس ومراكز دينية إسرائيلية مغلقة أمام الأجانب مخاوف إضافية بين التايلانديين. فهذه المؤسسات، بحسب التقارير، لا تسمح بدخول غير الإسرائيليين، ما جعل البعض ينظر إليها كجزر معزولة داخل المجتمع المحلي.

كما تحدثت وسائل الإعلام الرسمية عن منظمات إسرائيلية تجلب جنودًا سابقين إلى تايلاند ضمن برامج “إعادة تأهيل”. وأشارت بعض التقارير إلى أن هذه البرامج على صلة بالصناعات العسكرية الإسرائيلية، ما أثار تساؤلات حول طبيعة وجود هؤلاء في البلاد.

يقول الدكتور آري: “هناك مخاوف حقيقية بين السكان حول سبب وجود هذه المجموعات، وماذا تفعل هنا. فتايلاند بلد مضياف، لكن التسامح له حدود عندما يشعر الناس أن ثقافتهم مهددة.”

انفجار استياء مكبوت

في نظر كثير من السكان، أصبحت الجزيرة مثالًا مصغرًا على صراع ثقافي واقتصادي صامت. فبينما تروج الحكومة التايلاندية للسياحة باعتبارها محركًا للنمو، يشعر بعض المجتمعات المحلية بأن السياحة غير المنضبطة تهدد توازنهم الاجتماعي.

يقول بوب، الذي أصبح رمزا لهذا الجدل: “لم أكره أحدًا في حياتي. استقبلت زوارًا من كل العالم، لكنني لم أشعر يومًا بهذا القدر من الإهانة.” ويضيف أنه تلقى دعمًا كبيرًا من السكان المحليين بعد قراره، لكن أيضًا انتقادات من البعض الذين اتهموه بالتمييز.

“لم أميز ضد أحد بناءً على جنسيته، بل ضد سلوكٍ متكرر ومهين. ما أريده فقط هو الاحترام.”

في الوقت ذاته، يرى بعض التايلانديين أن الحل لا يكمن في الحظر، بل في تشديد القوانين السياحية ومراقبة الأنشطة التجارية غير المرخصة. فالمشكلة، كما يقولون، ليست في الجنسية، بل في غياب التنظيم والردع القانوني.

بين الضيافة والغضب

قضية بوب ومطعمه ليست سوى مرآة لاحتكاك أوسع بين المجتمعات المحلية والزوار في عالم تتقاطع فيه الثقافات بسرعة. فتايلاند، التي طالما عُرفت بترحيبها الحار بالسياح، تجد نفسها اليوم أمام تحدي الحفاظ على هويتها واحترامها الذاتي في مواجهة سلوكيات دخيلة.

في كوه فانجان، لا يزال البحر ساكنًا، والموسيقى التايلاندية تتسلل من المقاهي على الشاطئ، لكن خلف هذه الواجهة الهادئة يتصاعد شعور متزايد بالإحباط.

بالنسبة إلى بوب وغيره من السكان، المسألة لم تعد عن مناديل أو طوابير. إنها عن الكرامة، والاحترام، والعدالة الاقتصادية.

وفي ظل تزايد أعداد الإسرائيليين الوافدين إلى تايلاند، يبقى السؤال مطروحًا:

هل ستنجح الحكومة في الموازنة بين تعزيز السياحة وحماية مجتمعاتها المحلية؟

أم أن كوه فانجان ستكون أول جزيرة تايلاندية تقول “كفى”؟