القهر يقتل الرجال!!

د. أحمد زكريا يكتب

لعله من أعمق الأدعية النبوية وأبلغها في التعبير عن مكنونات النفس البشرية، الدعاءُ الجامع المانع في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:

«دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال: (يَا أَبَا أُمَامَةَ، مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟) قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله، قال: (أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا، إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ؟) قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: (قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ)».

قال: ففعلت ذلك، فأذهب الله عز وجل همي وقضى عني ديني.

رواه أبو داود (1555)، وضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح وضعيف سنن أبي داود.

وقد فُسِّر لفظ القهر الوارد في هذا الحديث، بما ثبت في صحيح البخاري (6369) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال».

فالقهر سببه الغلبة، فالرجل إذا شعر بغلبة الرجال له وتسلطهم عليه، بحق أو بغير حق، تسبب ذلك في حصول الكمد والقهر في نفسه.

فما قهر الرجال؟

قهر الرجال – في قول كثير من العلماء – ما يصيب الإنسان من قهرٍ وهمٍ وغمٍّ بغلبةٍ انتُصر عليه بها وهو يعلم أنه على الحق وخصمه على الباطل.

فالحياة الدنيا ميدانُ تنافس، فربما غلبت المطامع الدنيوية على العبد فكان سببًا في قهر إخوانه حتى يصل إلى مبتغاه وأمله، ولو على أكتاف الناس!

وكنت كلما قرأت أو سمعت هذا الحديث تذكرت إمام النحاة سيبويه رحمه الله تعالى.

سيبويه رحمه الله (عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، يُكنى أبا بشر)، فارسي الأصل، نشأ في البصرة، وكان أول حياته يطلب الحديث، فجلس إلى شيخ يقال له حماد بن سلمة، وأخذ يقرأ، فمر على حديث – بصرف النظر عن سنده وصحته – فقال سيبويه وهو يقرأ:

«إنه ليس من أصحابي أحدٌ إلا ولو شئت لرددت عليه، ليس أبو الدرداء».

فأجرى سيبويه – وهو يومئذ يطلب الحديث – ما بعد ليس على عملها الأصلي وهو رفع ما بعدها، فقال له شيخه: «أخطأت يا سيبويه، إنما هو استثناء، كان ينبغي أن تقول: ليس أبا الدرداء».

فأطبق الكتاب وقال: «لأطلبنَّ علمًا لا يلحنني معه أحد».

فلزم شيوخ البادية، وعكف عند الخليل بن أحمد الفراهيدي يطلب منه العلم، وأخذ عن غيره من الأقران كيونس وعيسى بن عمر وغيرهما من أئمة نحاة البصرة آنذاك، حتى علا شأنه وهو صغير، وتفوّق على كثير من طلاب العلم حتى أصبح – وهو في العقد الثالث من عمره – إمام البصرة لا ينازعه في إمامة النحو أحد.

وقبل أن يصل إلى مأساته في تلك الفترة ألّف كتابه الكتاب، ولم يُخرجه للناس.

ورغم أن كتابه المسمّى الكتاب في النحو ألّفه سيبويه في أوائل القرن الثاني تقريبًا، فإنه إلى اليوم لم يُؤلَّف كتاب في النحو أكمل ولا أعظم منه، رغم تعاقب القرون.

ثم لما سمع ببغداد – وكانت يومئذ عاصمة الخلافة – وكان أقرانه من الكوفيين كالكسائي وغيره يذهبون إلى بغداد فينالون حظوة الأمراء وأعطياتهم وشرف المنازل، أراد أن يسعى في مرحلة جديدة من حياته، فانتقل من البصرة إلى بغداد، ونزل عند يحيى بن خالد البرمكي وزير هارون الرشيد، ثم أقام يحيى مناظرة بينه وبين الكسائي زعيم نحاة الكوفة.

وكانت اللعبة السياسية آنذاك بين البصرة والكوفة في أوجها، لأن البصرة كانت في السابق حليفة لبني أمية، فلما تغير الأمر السياسي، أضحت قلوب بني العباس مع أهل الكوفة أكثر منها مع أهل البصرة.

أقيمت المناظرة، وكانت في حال الاسم الواقع بعد إذا الفجائية، فكان سيبويه يرى أن الرفع حالٌ واحدة لا تقبل الوجهين، وكان الكسائي يرى جواز الوجهين: الرفع مع النصب.

فقال يحيى: «اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن يحكم بينكما؟».

فقال الكسائي: «هذه جموع الأعراب ببابك قادمة من كل صقع، فاجعلها تحكم بيننا».

وكانت الأعراب يومئذ لم تخالطها العُجْمة، فكانوا يُحتكم إليهم لأنهم على السليقة. وكان الكسائي صاحب حظوة عند هارون الرشيد، فأراد الأعراب أن يمالئوا الكسائي على سيبويه رغبةً في ما عنده من المال والجاه.

فلما قال الكسائي ما عنده وقال سيبويه ما عنده، وسيبويه يعلم يقينًا أنه على الحق، قالت الأعراب ممن حضروا واحتكموا إليهم: «إن الحق مع الكسائي».

فلما قيلت هذه الكلمة انقبض خاطره، وكُسر ظهره، وما جاء من أجله.

فزاده الكسائي نكالًا أن قال ليحيى: «أيها الأمير أصلحك الله، إن الرجل قدم يرجو أعطياتك، فهلا جبرته؟».

فأعطى يحيى سيبويه بعض المال يريد أن يجبر به كسره، فخرج رحمه الله من عنده وقد أصابه من الغم والهم وقهر الرجال ما أصابه، يتوارى من الناس مما لحق به، حتى إنه لم يستطع أن يدخل البصرة بعدئذ.

رغم أنه رحمه الله كان إذا خرج لصلاة الفجر – وهو في الثانية والثلاثين من عمره – يجد طلاب العلم يزدحمون على بابه يسألونه، وهو يجيب كأنه يغرف من بحر.

فذهب هذا المجد كله.

فذهب إلى قرية من قرى فارس، ومر في طريقه على تلميذه الأخفش فبثّه شكواه، وأخبره بالقصة، ولم يستطع بدنه أن يتحمل ما أصابه من قهرٍ وهمٍّ ومرض، ولم يلبث شيئًا يسيرًا حتى تُوفي.

وعندما احتُضر وشعر بدنو الأجل، تذكر بيتين من الشعر تناسب حاله، وكونه قد ذهب يريد أمرًا فرجع بآخر، فقال رحمه الله:

يأملُ الدنيا لتبقى لهُ *** فوافى المنيةَ دون الأملِ

حثيثًا يُروي أصولَ النخيلِ *** فعاشَ النخيلُ وماتَ الرجلُ

ثم أسلم نفسه وفاضت روحه إلى باريها رحمه الله.

هذا الرجل الذي مات بهذا القهر، ترك للناس – كما قلت – كتابه الكتاب.

وهذا الكتاب لا يُعرف بعد كتاب الله جل وعلا كتابٌ شرحه العلماء، أو حاموا حوله، أو طافوا ببابه ككتاب سيبويه.

وقد تُرجم في عصرنا هذا إلى أكثر لغات العالم.

فجامعة هارفارد الأمريكية – وهي أرقى جامعات العالم أكاديميًّا – تحتفظ بنسخٍ منه، وتمنح شهادات أكاديمية وترقيات علمية لمن يبحث في كتاب سيبويه.

بل إن نحويًّا أمريكيًّا شهيرًا اسمه تشومسكي، ظهر في هذا العصر، كتب في أول حياته في السياسة، ثم تفرغ للنحو، وأخرج لجامعات العالم ما يسمى عالميًّا بالنحو التحويلي.

ونظرية تشومسكي في النحو التحويلي سارت بها الركبان في جامعات العالم، وثبت أن ما قاله تشومسكي في النحو التحويلي وُجد له أصلٌ في كتاب سيبويه، فقد لفت إليه سيبويه من قبل ألف سنة كما بيَّنَّا.

رحم الله سيبويه، وأعاذنا وإياكم من قهر الرجال.

متى تصل العطاش إلى ارتواءٍ

إذا استقت البحار من الركايا؟

ومن يثني الأصاغر عن مرادٍ

إذا جلس الأكابر في الزوايا؟

وإن ترفع الوضعاءُ يومًا

على الرفعاء من أقسى البلايا

إذا استوت الأسافلُ والأعالي

فقد طابت منادمةُ المنايا.

المصدر: جريدة الأمة الإلكترونية