رد حماس يفجّر الانقسام الإسرائيلي الداخلي

لا تفاوض فقط على غزة بل على الشرق الأوسط المقبل

في الساعات الأخيرة، لم تكن غزة وحدها من تتابع بقلق ما يجري في كواليس السياسة الدولية. فالأنظار تحوّلت فجأة إلى تل أبيب، ليس بسبب القصف أو الإنذار، بل بسبب شيء أكثر تعقيدًا: انقسام داخلي حاد داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها.

قبل العاصفة.. صمت الانقسام

لم تكن حماس بحاجة لصاروخ لتحدث صدمة سياسية. كانت كلماتها كافية.

“نوافق من حيث المبدأ على تبادل شامل للأسرى مقابل المعتقلين الفلسطينيين… وندعو إلى استكمال الشروط التي تهيئ الأرضية لتنفيذ آمن للصفقة.”

بهذا البيان المقتضب، دخلت حماس ملعبًا مختلفًا: ملعب المناورة السياسية الدولية.

حماس تلعب سياسة.. لا سلاح

حين أُعلن عن خطة ترامب، بدا للكثيرين أن الأمر مجرد طرح إعلامي آخر. لكن المفاجأة جاءت من الجنوب.

القبول الجزئي من حماس لم يكن فقط تكتيكًا للمناورة، بل خطوة محسوبة لفتح ثغرة في الجدار السياسي الذي شيّدته إسرائيل منذ بداية الحرب.

ففي اللحظة التي وافقت فيها حماس على جزء من الخطة  المتعلق بالأسرى انطلقت كرة الثلج.

اليمين الإسرائيلي، وعلى رأسه نتنياهو، فهم الرسالة بسرعة:

أي قبول من الطرف الآخر، يعني أن الكرة الآن في ملعب “إسرائيل”… والرفض سيكون مكلفًا في الشارع، والإعلام، وحتى في واشنطن.

الكيان من الداخل: انقسام يتوسع

لم تمر سوى ساعات على إعلان حماس، حتى بدأت التصدعات داخل الحكومة الإسرائيلية تظهر:

كتلة اليمين المتطرف: رفضت ما وصفته بـ”التنازل الخطير”، واعتبرت أن وقف إطلاق النار وتسليم أسرى هو انتصار لحماس.

قيادات عسكرية وأمنية: طالبت بضرورة التعامل بواقعية مع المبادرة، خصوصًا مع تفاقم أزمة الجنود المختطفين والضغط الدولي.

أهالي الأسرى: نزلوا إلى الشوارع، ووجهوا رسائل مفتوحة للحكومة، مطالبين باستغلال فرصة “موافقة حماس” للإفراج عن أحبائهم.

صارت المسألة لا تدور فقط حول غزة، بل حول عمق الصراع داخل إسرائيل:

هل تنتصر البراغماتية؟ أم يهيمن خطاب الصقور؟

ترامب يضغط.. والوسيط يتحرك

من واشنطن، بدأ الرئيس السابق دونالد ترامب مهندس الصفقة  في تصعيد الضغوط.

“على إسرائيل أن ترد على عرض حماس.. ثلاث أو أربع أيام كافية.. لا وقت للمماطلة”، قالها صراحة.

ورقة الأسرى لم تكن كل ما في جعبته. فمعه، يتحرك رجلان:

جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، في طريقهما إلى القاهرة، حيث الموعد المنتظر مع وسطاء عرب، ودول إقليمية، وعلى رأسهم تركيا.

الهدف: بحث آليات التنفيذ، وضع جدول زمني، والاتفاق على شروط المراقبة والضمانات.

مصر.. على مفترق القرار

القاهرة، التي اعتادت لعب دور الوسيط الصامت، تجد نفسها هذه المرة أمام لحظة دقيقة.

فالخطة المطروحة ليست “هدنة”، بل مشروع سياسي يمكن أن يعيد تشكيل غزة بعد الحرب.

وهنا، يلعب الذكاء الدبلوماسي دورًا محوريًا.

إذا استطاعت مصر والوسطاء الآخرون استغلال حالة الانقسام داخل الكيان الإسرائيلي، فربما ينتزعون أكبر قدر من المكاسب السياسية للفلسطينيين.

وإذا تردّدوا، أو اكتفوا بلعب دور ناقل الرسائل، قد تضيع فرصة تاريخية للضغط على تل أبيب وهي في أضعف حالاتها السياسية منذ بدء الحرب.

غدًا: اجتماع الحسم

غدًا، في القاهرة، يجتمع الجميع:

ممثلو ترامب.

وفود من مصر، وقطر، وتركيا، وربما الأردن.

فرق تقنية وأمنية.

وفد فلسطيني من أطراف غير مباشرة.

الاجتماع – وفق ما سربته مصادر – سيتناول النقاط التالية:

1. جدول زمني لوقف إطلاق النار.

2. آلية تبادل الأسرى.

3. انسحاب مرحلي للقوات الإسرائيلية من غزة.

4. تشكيل لجنة مدنية لإدارة الشؤون الإنسانية في القطاع مؤقتًا.

5. ضمانات دولية من أمريكا ودول عربية.

6. المراقبة على الأرض: من؟ وكيف؟ وتحت إشراف من؟

توقعات المشهد خلال أسبوعين

1. تنفيذ جزئي خلال 7 أيام (احتمال: 60%)

يتم التوصل لاتفاق مبدئي على وقف النار لمدة 3 أيام.

إطلاق دفعة أولى من الأسرى من الجانبين.

دخول لجنة مراقبة عربية دولية (أمريكية-تركية-قطرية).

انسحاب محدود من بعض المناطق بغزة.

إيجابي: اختراق كبير نحو تهدئة.

خطر: استغلال إسرائيل للتهدئة في إعادة تمركز قواتها.

2. تجميد المبادرة مؤقتًا بسبب رفض نتنياهو (احتمال: 30%)

يرفض نتنياهو علنًا الالتزام بالخطة.

يتهم خصومه السياسيين بالخضوع لـ “ابتزاز الإرهاب”.

يتم الضغط عليه داخليًا من الشارع.

تستمر الغارات والردود من غزة.

فرصة للوسيط العربي لممارسة ضغط أكبر عبر ملف الأسرى.

خطر: انفجار شعبي داخل إسرائيل قد يُشعل التصعيد مجددًا.

3. انهيار كامل للمبادرة بسبب فشل الوساطة أو تدخل إقليمي (احتمال: 10%)

تفشل القاهرة في إدارة الملف.

تتدخل إيران أو حزب الله بمواقف متشددة تربك الخطة.

يتم قصف مواقع حساسة في غزة أو تل أبيب.

تعود الحرب إلى المربع صفر.

قد تدفع الفصائل لتوحيد خطابها بعد الفشل.

خطر: تصعيد غير مسبوق وموجات تهجير إضافية.

نصائح استراتيجية للوسيط العربي الذكي

1. استثمار الضغط الشعبي داخل الكيان: صوت أهالي الأسرى يمكن أن يُصبح سلاحًا تفاوضيًا لو تم تضخيمه إعلاميًا دوليًا.

2. ربط أي تنازل فلسطيني بخطوات ميدانية من الاحتلال: لا مقابل “وعد” فقط.

3. فرض آليات رقابة حيادية (تركيا أو الأمم المتحدة): لتقليل قدرة إسرائيل على المراوغة.

4. بدء خطة إعمار سريعة بإشراف مباشر: لربط التهدئة بالواقع.

5. تهيئة غزة لحكم مؤقت غير مسيّس: لضمان استقرار مؤقت وعدم حدوث فراغ أمني.

لحظة دقيقة ولكن ثمينة

في السياسة، كما في الحرب، أحيانًا لا تنتصر الأقوى، بل الأذكى.

الانقسام داخل إسرائيل ليس فقط علامة ضعف، بل فرصة نادرة للعب على التناقضات.

غدًا، ربما تُوضع لبنات أول “تهدئة فعلية”،

أو تنهار الآمال في دهاليز الحسابات الصغيرة.

لكن ما هو مؤكد: من يفاوض الآن لا يفاوض فقط على غزة، بل على الشرق الأوسط المقبل.