إنقاذ آثار غزة المهددة بالاندثار وسط دمار الحرب
بهدف إنقاذ الذاكرة التاريخية
- السيد التيجاني
- 16 سبتمبر، 2025
- تقارير
- اثار, الأزهر الشريف, عملية إنقاذ, قطاع غزة
في قلب المشهد الدموي الذي يعيشه قطاع غزة منذ أسابيع، برزت قصة أخرى لا تقل مأساوية ولا تقل أهمية عن صور الدمار والضحايا، وهي معركة إنقاذ الإرث الإنساني المتمثل في آلاف القطع الأثرية التي تروي تاريخ المنطقة منذ آلاف السنين.
ففي أجواء الخوف ونقص الإمكانيات، يخوض علماء الآثار والمتطوعون سباقاً مع الزمن، يصفونه بأنه “حرب موازية” هدفها إنقاذ الذاكرة التاريخية قبل أن تُمحى تحت أنقاض القصف.
تشير تقارير محلية إلى أن العديد من المخازن الأثرية والمواقع التاريخية تعرضت لأضرار مباشرة، بعضها لحقت به صواريخ،
وبعضها الآخر انهار نتيجة الاهتزازات العنيفة. هذه المخازن كانت تحتوي على مخطوطات نادرة، وقطع فخارية تعود للعصور الكنعانية والرومانية،
فضلاً عن مقتنيات إسلامية نادرة كالعملات الذهبية والمخطوطات القرآنية. وفي ظل غياب حماية دولية ملموسة، اضطر الأهالي والمهتمون بالتراث إلى القيام بمبادرات إنقاذ فردية وسريعة.
ذاكرة تحت الركام
غزة، رغم مساحتها الصغيرة وكثافة سكانها، تعد من أغنى مناطق الشرق الأوسط بالآثار. فقد تعاقبت عليها حضارات عديدة، بدءاً من الكنعانيين والفينيقيين، مروراً بالفرس والرومان والبيزنطيين، وصولاً إلى العصور الإسلامية المختلفة. كل حضارة
تركت بصمتها الواضحة في المباني، النقوش، العملات، والأواني الفخارية التي تمثل شواهد حية على التبادل التجاري والثقافي في هذه البقعة.
اليوم، أصبح هذا الإرث مهدداً أكثر من أي وقت مضى. يقول الدكتور (م. س.)، وهو خبير آثار فلسطيني، إن “كل قذيفة تسقط قد تطيح بآلاف السنين من التاريخ”. ويضيف: “نحن لا ننقذ حجراً أو فخارة فقط، بل ننقذ هوية شعب وذاكرة إنسانية”
عملية إنقاذ محفوفة بالمخاطر
تجري عمليات الإنقاذ في ظروف توصف بأنها “مستحيلة”. فالمتطوعون والعاملون في مجال الآثار يعملون غالباً بأيديهم العارية أو بأدوات بسيطة، يحاولون الحفر بحذر تحت الركام خوفاً من تحطم القطع. وفي كثير من الأحيان يضطرون للعمل ليلاً بعيداً عن الأعين، لتجنب الاستهداف أو السرقة.
أحد المتطوعين قال: “نحن نعمل وكأننا نحمل طفلاً من تحت الأنقاض. أي خطأ يعني ضياع قطعة لا تعوض”. وأضاف: “أحياناً نجد جراراً فخارية سليمة رغم سقوط المبنى بالكامل، وهذا يدفعنا لمواصلة العمل رغم الخطر”.
كما واجهت الفرق تحديات أخرى، أبرزها نقص المواد اللازمة للحفظ المؤقت. فالمخطوطات التي انتُشلت تحتاج إلى ظروف بيئية خاصة لحمايتها من الرطوبة والتلف، وهو أمر شبه مستحيل في ظل انقطاع الكهرباء ونقص الوقود.
نداء إلى العالم
وزارة السياحة والآثار الفلسطينية أصدرت بياناً عاجلاً ناشدت فيه المنظمات الدولية، وعلى رأسها اليونسكو، التدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وحذرت الوزارة من أن استمرار الوضع الراهن سيؤدي إلى فقدان إرث إنساني لا يخص الفلسطينيين وحدهم، بل البشرية جمعاء.
وأكد البيان أن التراث الغزي ليس مجرد “مخزون محلي”، بل يمثل ذاكرة مشتركة للإنسانية كلها، نظراً لموقع غزة الذي كان عبر التاريخ جسراً بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
إلى جانب ذلك، وجهت جمعيات ثقافية محلية دعوات إلى تشكيل “صندوق طوارئ دولي” لحماية الآثار في مناطق النزاعات، على غرار الجهود التي بذلت لإنقاذ آثار الموصل في العراق أو تدمر في سوريا.
أصوات من الداخل
في مقابلة قصيرة، قال أحد حراس المتاحف المحلية الذي فقد بيته في القصف: “بيتي قد يُعاد بناؤه يوماً، لكن إن ضاعت هذه القطع فلن تعود أبداً”. وأضاف: “كنا نعمل في صمت منذ سنوات لتوثيق كل قطعة، واليوم نخشى أن نفقد ما أنجزناه خلال عقود في ساعات قليلة”.
من جانب آخر، أعرب طلاب من جامعة الأزهر والجامعة الإسلامية في غزة عن استعدادهم للتطوع في أعمال الإنقاذ، معتبرين أن الدفاع عن الهوية لا يقل أهمية عن الدفاع عن الحياة.
أهمية ثقافية وحضارية
يرى خبراء أن ما يجري في غزة ليس مجرد “أضرار جانبية” للحرب، بل هو شكل من أشكال “الإبادة الثقافية”. فالقضاء على المعالم الأثرية يعني محو الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني.
ويشير باحثون إلى أن آثار غزة ليست شواهد محلية فحسب، بل هي جزء من تاريخ البحر المتوسط بكامله. فالكثير من القطع التي اكتشفت في غزة توثق لتجارة النبيذ والزيتون والحبوب بين غزة وروما، أو لحركة القوافل بين مصر والشام.
المجتمع الدولي بين الصمت والتحرك البطيء
حتى الآن، لم يصدر عن المنظمات الدولية سوى بيانات عامة تدعو إلى “حماية التراث”، دون خطوات عملية ملموسة على الأرض. هذا البطء في التحرك يثير انتقادات واسعة، خصوصاً أن الأمم المتحدة سبق أن تدخلت بفاعلية في حالات مشابهة.
ففي عام 2015، على سبيل المثال، تحركت اليونسكو بسرعة بعد تدمير آثار تدمر في سوريا، وأطلقت برامج عاجلة للتوثيق وإعادة الإعمار. بينما في غزة، تبدو الاستجابة متواضعة رغم أن حجم الخطر لا يقل جسامة.
المستقبل المجهول للتراث الغزي
مع استمرار الحرب وتفاقم الخسائر، يبقى مستقبل التراث في غزة غامضاً. فحتى القطع التي تم إنقاذها تحتاج إلى بيئة آمنة للحفظ، وهو ما يفتقر إليه القطاع حالياً.
ويرى البعض أن الحل يكمن في إنشاء “مراكز حفظ مؤقتة” خارج غزة، بإشراف دولي، إلى حين استقرار الأوضاع. بينما يرفض آخرون هذا المقترح خوفاً من فقدان القطع أو سرقتها، مؤكدين أن التراث يجب أن يبقى في مكانه الطبيعي مهما كانت الظروف.
في النهاية، تبدو معركة إنقاذ الآثار في غزة انعكاساً لمأساة أكبر يعيشها أهل القطاع. إنها حرب على الحاضر والمستقبل، لكنها أيضاً حرب على الماضي والذاكرة.
وبينما تسعى فرق الإنقاذ لانتشال حياة من تحت الركام، هناك آخرون يناضلون لانتشال هوية بأكملها من تحت الأنقاض.
وإن كانت غزة اليوم تُختزل في صور الدم والدخان، فإن قصتها الأعمق تُروى عبر أوانٍ فخارية، نقوش حجرية، ومخطوطات قديمة صمدت لآلاف السنين، لكنها باتت الآن في مواجهة أخطر اختبار لوجودها.