حميدتي الانفصالي يحترق في «نيالا» (مقال)

دقلو أسير طموحاته للسيطرة على مقاليد السلطة

جمال طه

فى نكبة انفصالية جديدة، لم يجد محمد حمدان دقلو «حميدتى» غضاضة فى استحضار مشهد تمثيلى فى ٣٠ أغسطس ٢٠٢٥ بمدينة نيالا، عاصمة جنوب كردفان. كان يؤدى القسم كرئيس لكيان يُدعى «تحالف السودان التأسيسي»، الذى يضم ميليشيات الدعم السريع والحركة الشعبية شمال وقوى مسلحة وسياسية وأهلية محدودة. وضع دقلو أطراف أصابع ثلاث على كتاب قيل إنه القرآن الكريم، الذى تجاهلت عناصره من الميليشيات والمرتزقة كل تعاليمه الإنسانية، وهم يقتلون ويسرقون ويغتصبون ويشردون ضحاياهم. وكان أسفل المصحف وجواره كتب أخرى، بينها ما زُعِم أنه «دستور انتقالى لجمهورية السودان لعام ٢٠٢٥».

وفى المقابل، حرص عبد العزيز الحلو، زعيم الحركة الشعبية شمال، على تأكيد خصوصيته، رافضًا أن يقسم على المصحف كنائب لرئيس المجلس الرئاسى، كما رفض صيغة القسم التى رددها حميدتى، وتمسك بترديد ما يسميه تنظيمه المسلح «الإعلان الصادق»، وهو تعهد بالعلمانية والمواطنة والعدالة الاجتماعية، مما عكس هشاشة تشكيل الكيان الوليد. بعده أدى اليمين أعضاء المجلس الرئاسى البالغ عددهم ١٣ عضوًا، من بينهم ثمانية حكام للأقاليم. أما حكومة التحالف برئاسة محمد الحسن التعايشى وعضوية ١٦ وزيرًا، فقد كانت قد استبقت المشهد بأداء القسم فى مدينة نيالا أيضًا.

المشهد كان حافلًا بالمتناقضات؛ فالدستور المزعوم ألغى الوثيقة الدستورية الانتقالية لعام ٢٠١٩ وجميع القوانين والقرارات والمراسيم السابقة فى الدولة السودانية، ليضم بنودًا صاغتها الميليشيات لتكريس الانفصال وتفتيت الدولة السودانية وتقنين سيطرة كل فصيل على الإقليم الذى يعيث فيه فسادًا. والعلم المرفوع كان علم السودان لعام ١٩٥٦، وأعلى يمين الصورة «صقر الجديان» الذى يمثل الرمزية السياسية والوطنية لجمهورية السودان، ولم ينتبه مخرج هذا المشهد البائس إلى أن «تحالف التأسيس» يرفض دولة ١٩٥٦ أصلًا، ويعتبرها سببًا فى فشل السودان.

الغريب أن يؤدى حميدتى، زعيم ميليشيات الجنجويد، القسم أمام من يدعى القاضى رمضان إبراهيم شميلا سعيد، الذى شغل منصب نائب دائرة «هيبان» بجبال النوبة فى حكومة المؤتمر الوطنى سابقًا. بعد سقوط نظام البشير، انضم إلى عبد العزيز الحلو، وأصبح كبيرًا للقضاة فى المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة الشعبية لتحرير السودان «الشمال»، التى تضم ولايتى النيل الأزرق وجنوب كردفان، وذلك قبل اختياره رئيسًا للسلطة القضائية فى حكومة «تأسيس». ويقسم أمامه حميدتى القسم، رغم أن له محاضرة شهيرة تناولت «خطر الجنجويد وأثره على الشعوب السودانية من منظور القانون الجنائى السوداني»، حذر فيها من جرائم التعذيب والإبادة التى ارتكبتها ميليشيات الجنجويد بحق المدنيين فى دارفور والأقاليم الأخرى.

كل ما تقدم يؤكد أن الحكومة الموازية لتحالف الميليشيات لم تستطع بعد صياغة رمزيتها الخاصة، أو إنتاج شعارات جديدة تعبر عن مشروعها -أيا كانت طبيعته وأهدافه- مما يفقدها القدرة على إقناع قواعدها أو استقطاب تيارات واسعة حولها، خاصة أنها ليس لديها علم أو نشيد وطنى ولا جواز سفر أو حتى هوية. وأن المشروع الذى أعلنت عنه يستهدف -نظريًا- تأسيس دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية، تقوم على الحرية والمساواة والعدالة، ولا تنحاز لأية هوية ثقافية أو عرقية أو دينية أو جهوية، وتعترف بالتنوع. كل ما فى المشروع يتمحور حول استقلالية الأقاليم، وتجاوز الهيمنة التاريخية لنخب الولايات المركزية على السلطة، لإعطاء الفرصة لنخب ولايات الهامش فى حكم السودان. حميدتى تبنى هذا المبدأ، رغم انتمائه لولايات الهامش، ووصوله إلى أعلى مراتب السلطة والنفوذ بمركز الحكم فى العاصمة، ما يعنى افتقاد شعاراته للمصداقية، وأن الهدف الحقيقى من تمرده الاستئثار بسلطة الحكم حتى لو أدى ذلك لتفتيت الدولة السودانية.

كل الإجراءات المراسمية التى أخرجتها ميليشيات الدعم السريع للقسم، تمثل محاولة للتغطية على الهزائم ونزيف الولايات التى خسرتها فى معارك دامية خلال الشهور الماضية أمام الجيش وتضامن المدنيين معه للتخلص من جبروت الميليشيات والمرتزقة، الذين لم يتبق لهم سوى إقليم دارفور وبعض الجيوب فى إقليم كردفان. وحرص حميدتى على تجنب ملامسة المصحف الشريف بكفه إبان القسم، يرجع إلى اعتياده الحنث بكل قسم وعدم الإخلاص لأى ولاء؛ فقد خان قسمه أمام الرئيس عمر البشير ومستشاره موسى هلال، وأمام رئيس المجلس السيادى عبد الفتاح البرهان، وكذلك أمام رئيس مجلس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وتجاه قوى الحرية والتغيير «قحت» وغيرهم.

هذا التخبط يؤكد أن حميدتى أسير طموحاته الشخصية وتطلعه للسيطرة على مقاليد السلطة وصولجان الحكم، وهو يتبع إرادة داعميه ويغير مواقفه وولاءاته تبعًا لأجنداتهم.