هل تراجعت مصر وإندونيسيا عن شراء المقاتلات الصينية

عادة إلغاء عقود التسليح أمر معقد وله حسابات متشعبة

نورالدين

نشرت القوات الجوية الإندونيسية، أمس الأربعاء 12 أغسطس، صورًا لأول مقاتلة رافال من إنتاج شركة “داسو” الفرنسية مخصصة لها، وتحمل الرقم التسلسلي T-0301، وهي نسخة ثنائية المقعد من طراز “رافال بي”، ومن المقرر تسليمها إلى إندونيسيا العام المقبل. وقد ظهر في الصور طيارون وفنيون من القوات المسلحة الإندونيسية يقفون أمام الطائرة، إذ يتلقون تدريبًا في مصنع الشركة بفرنسا، حيث أرسلت جاكرتا 4 طيارين و12 فنيًا للتأهيل، بهدف تسريع عملية إدخال المقاتلة للخدمة ورفع جاهزيتها القتالية.

هذا التطور يوضح أن إندونيسيا لم تتراجع عن صفقة الرافال، بل تسعى لتسريع تنفيذها، رغم ما أثير من شكوك بعد المعركة الجوية بين الهند وباكستان في 7 مايو، التي انتهت – حسب الرواية الباكستانية – بإسقاط ثلاث مقاتلات رافال تابعة للهند دون خسائر في الجانب الباكستاني، ما أضر بسمعة الطائرة الفرنسية وأبرز أداء المقاتلة الصينية J-10C وصواريخها PL-15. حينها، تناقلت تقارير أن جاكرتا تدرس مراجعة الصفقة وربما إلغائها، بل وذكرت وكالة “Alert 5” الإندونيسية في أواخر مايو أن البلاد تفكر في تعديل استراتيجيتها للتسلح، مع احتمال شراء 42 مقاتلة J-10C مستعملة من الصين وإحياء مفاوضات اقتناء مقاتلات Su-35 الروسية.

وفي 5 يونيو، أكد نائب وزير الدفاع الإندونيسي أن بلاده تقيّم إمكانية شراء الـ J-10C لتحسين القدرات القتالية لسلاح الجو مع مراعاة الكلفة، مشيرًا إلى أن أداء الطائرة في المعركة الهندية-الباكستانية كان أحد عوامل الاهتمام بها، إضافة إلى تفوقها النسبي في السعر مقارنة بالمقاتلات الغربية. كما كشف عن دراسة جوانب التوافق مع الأسطول المحلي، ومتطلبات الصيانة، وشروط التعاقد، بل وألمح لاحتمال توسيع الصفقة لتشمل سفنًا وفرقاطات وأنظمة قتالية أخرى.

غير أن هذه التكهنات لم تدم طويلًا، إذ اختفى أي ذكر لاحق لصفقة J-10C، في حين خرجت للعلن أخبار تقدّم تنفيذ عقد الرافال. ويبدو واضحًا أن ما تردد عن التوجه نحو الصين كان ورقة ضغط على فرنسا للحصول على شروط أفضل، خاصة أن الاتفاق على شراء 42 طائرة رافال قد وُقّع منذ 10 فبراير 2022 في جاكرتا بقيمة تفوق 8 مليارات دولار، ما يجعل إلغاء العقد شبه مستحيل في ظل العلاقات الوثيقة بين البلدين.

بل إن إندونيسيا، بدلًا من التحول إلى الصين، وسّعت مشترياتها من مقاتلات الجيل الجديد، فخلال يوليو الماضي وقّعت عقدًا مع تركيا لشراء 48 مقاتلة “كآن KAAN” بقيمة تتجاوز 10 مليارات دولار، وفي أغسطس 2023 أبرمت اتفاقًا مع شركة بوينغ الأمريكية لشراء 24 مقاتلة F-15. وهكذا، أصبح لدى سلاح الجو الإندونيسي أكثر من 100 مقاتلة حديثة قيد التوريد من فرنسا وتركيا والولايات المتحدة، ما يغلق الباب أمام أي احتمالية حقيقية لشراء J-10C أو Su-35 من روسيا.

أما على الجانب المصري، فقد أفادت أنباء غير مؤكدة بأن القاهرة عدّلت موقفها من ملف الـ J-10C، بعدما كانت قد وضعتها ضمن أولويات التسلح، متأثرة بأدائها اللافت في المعركة الهندية-الباكستانية، وظهرت تقارير عن احتمال شراء 40 طائرة من هذا الطراز. لكن مؤخرًا، رجحت مصادر أن مصر صرفت النظر عن الصفقة، مفضّلة التوجه نحو الطائرة المسيّرة الصينية WJ-700 “الصقر” ذات الكلفة الأقل.

هناك عدة أسباب لهذا التحول؛ أولها الكلفة المرتفعة، إذ تقدر صفقة الـ 40 مقاتلة مع التدريب والتسليح والدعم اللوجستي بنحو 8 مليارات دولار، دون احتساب نفقات التشغيل والصيانة، في حين أن الميزانية الدفاعية السنوية لمصر لا تتجاوز 4.5 مليارات دولار. إضافة إلى ذلك، فإن تحقيق أقصى استفادة قتالية من الـ J-10C يتطلب شراء منظومات إنذار مبكر ودفاع جوي صينية، ما يزيد الأعباء المالية.

السبب الثاني سياسي بامتياز؛ فمصر حليف رئيسي للولايات المتحدة وتحظى بدعم عسكري واقتصادي غربي، فيما معظم أسلحتها من منشأ أمريكي وأوروبي، مثل 218 مقاتلة F-16، و54 رافال، وعدد من مقاتلات الميراج، إضافة إلى أسطول بحري وبري كبير من المعدات الغربية.

والسبب الثالث عملي وتشغيلي؛ فإدخال الـ J-10C سيزيد من تعقيد المنظومة القتالية المصرية التي تضم طرازات أمريكية وفرنسية وروسية، ما يتطلب بنية لوجستية وتدريبية إضافية، في وقت تتجه فيه الجيوش الحديثة نحو تبسيط وتوحيد نظم التسليح لتحقيق أعلى كفاءة قتالية.

في المحصلة، ورغم السمعة القتالية القوية التي اكتسبتها الـ J-10C، فإن واقع سوق السلاح يخضع بدرجة أكبر لحسابات السياسة والتحالفات الدولية، وليس فقط لعوامل الأداء الفني أو الكلفة، ما يفسر عزوف إندونيسيا ومصر عن إبرام صفقات لشرائها في هذه المرحلة.

**موقع الدفاع العربي