مجلس السلام بين التوافق والخلاف حول غزة
بعد أشهر من الوساطات الإقليمية والدولية
- السيد التيجاني
- 3 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- إسرائيل, الخط الأصفر, الوساطة الإقليمية والدولية, غزة, مجلس السلام
يشهد ملف الحرب في قطاع غزة تطوراً سياسياً لافتاً مع إعلان مجلس السلام في غزة ملامح خارطة طريق جديدة تتناول مستقبل القطاع بعد الحرب، وتربط بين الانسحاب الإسرائيلي التدريجي واستكمال عملية نزع السلاح بصورة كاملة. ويعد هذا الطرح من أكثر المبادرات تعقيداً منذ اندلاع الحرب، لأنه يتناول لأول مرة بشكل مباشر قضايا الأمن والإدارة المدنية وإعادة الإعمار في إطار واحد.
ورغم الترحيب الدولي الحذر بأي خطوة قد تقود إلى تثبيت وقف إطلاق النار، فإن المبادرة تواجه اعتراضات إسرائيلية، وتحفظات فلسطينية، وتساؤلات حول قدرة المجتمع الدولي على تنفيذها عملياً، في ظل استمرار العمليات العسكرية وتدهور الأوضاع الإنسانية.
ما الذي تتضمنه الخطة؟
تقوم خارطة الطريق على عدة محاور رئيسية، تشمل وقفاً كاملاً للعمليات العسكرية، وانسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من مناطق داخل القطاع، بالتوازي مع تنفيذ برنامج شامل لحصر الأسلحة ونزعها تحت إشراف دولي، وصولاً إلى تشكيل إدارة مدنية تتولى شؤون غزة خلال المرحلة الانتقالية.
وتنص الخطة كذلك على وجود لجنة مختصة لمراقبة التنفيذ، إلى جانب قوة استقرار دولية تتولى الإشراف على الالتزام بالاتفاق والتحقق من تنفيذ جميع البنود وفق جدول زمني متفق عليه.
ترى الحكومة الإسرائيلية أن الأولوية المطلقة يجب أن تكون لنزع السلاح بصورة كاملة قبل أي انسحاب عسكري. وأكد مسؤولون إسرائيليون أن الجيش لن يتراجع إلى ما وراء “الخط الأصفر” إلا بعد التأكد من إزالة جميع القدرات العسكرية للفصائل الفلسطينية.
كما تصر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على الاحتفاظ بحرية تنفيذ عمليات عسكرية مستقبلية إذا ظهرت تهديدات جديدة، وهو ما تعتبره ضمانة أساسية لمنع إعادة بناء البنية العسكرية داخل القطاع.
وفي الوقت نفسه، يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ضغوطاً من شركائه في الحكومة، خاصة من أحزاب اليمين التي ترفض أي دور لقوات دولية داخل غزة.
على الجانب الآخر، تؤكد حركة حماس أن أي خطوات تتعلق بحصر السلاح يجب أن تتزامن مع انسحاب القوات الإسرائيلية، معتبرة أن تنفيذ بند واحد دون الآخر يمثل إخلالاً بالتفاهمات.
كما ترى قوى فلسطينية أن مستقبل غزة يجب أن يحدده توافق وطني شامل، وليس ترتيبات أمنية منفصلة، مع ضرورة منح الإدارة المدنية صلاحيات حقيقية لإدارة القطاع وإعادة الإعمار.
خلفية سياسية
يأتي هذا التحرك بعد أشهر من الوساطات الإقليمية والدولية التي قادتها عدة أطراف، بهدف تثبيت وقف إطلاق النار والانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة.
لكن المفاوضات السابقة اصطدمت دائماً بالخلاف حول أولوية الانسحاب أو نزع السلاح، وهو الخلاف الذي لا يزال قائماً حتى الآن.
ردود الفعل الدولية
رحبت عدة عواصم غربية بمواصلة الجهود السياسية، معتبرة أن أي تقدم في المفاوضات أفضل من استمرار الحرب.
في المقابل، شددت الأمم المتحدة وعدد من المنظمات الإنسانية على أن نجاح أي اتفاق يجب أن يترافق مع تسهيل دخول المساعدات الإنسانية، وإعادة تشغيل المستشفيات، وعودة الخدمات الأساسية.
ردود الفعل داخل إسرائيل
أعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش رفضه دخول قوة استقرار دولية إلى غزة، معتبراً أن ذلك يضعف قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها العسكرية.
كما أكد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير رفضه أي وجود أجنبي داخل القطاع، مطالباً بعرض أي اتفاق على الكنيست قبل المصادقة عليه.
أما المؤسسة العسكرية، فتؤكد أن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تضمن منع إعادة تسليح الفصائل الفلسطينية.
يرى الدكتور خليل الشقاقي، مدير المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، أن أكبر تحدٍ أمام الخطة يتمثل في غياب الثقة بين الأطراف، موضحاً أن تنفيذ أي اتفاق يحتاج إلى ضمانات قوية وآليات رقابة فعالة.
ويقول الدكتور أندرياس كريغ، الباحث في شؤون الأمن والدفاع بكلية كينغز كوليدج لندن، إن ربط الانسحاب الكامل بنزع السلاح يجعل عملية التنفيذ شديدة التعقيد، لأن كل طرف سيطالب الآخر بالبدء أولاً.
أما البروفيسور كوبي مايكل، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، فيرى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ستتمسك بوجود رقابة دولية صارمة، لكنها لن تقبل بأي صيغة تحد من حرية تحرك الجيش مستقبلاً.
ويشير الدكتور يوئيل جوزانسكي، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي، إلى أن نجاح الخطة يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الوسطاء الدوليين على تقديم ضمانات أمنية وسياسية للطرفين.
فيما يؤكد الدكتور مايكل ميلشتاين، الرئيس السابق للشؤون الفلسطينية في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، أن إعادة إعمار غزة يجب أن تكون جزءاً أساسياً من أي تسوية، لأن الأوضاع الاقتصادية ستؤثر بصورة مباشرة على الاستقرار الأمني.
التحديات الرئيسية
تواجه الخطة عدة تحديات، أبرزها استمرار العمليات العسكرية، وغياب الثقة المتبادلة، والخلاف حول ترتيب تنفيذ البنود، إضافة إلى مستقبل اللجنة المدنية المقترحة، ودور قوة الاستقرار الدولية، وآلية مراقبة تنفيذ الاتفاق.
كما أن الانقسام السياسي الفلسطيني، والخلافات داخل الحكومة الإسرائيلية، يزيدان من صعوبة الوصول إلى تفاهم نهائي.
التأثير الاقتصادي
يتوقع خبراء الاقتصاد أن يؤدي نجاح الاتفاق إلى فتح الباب أمام برامج إعادة إعمار واسعة، وعودة النشاط التجاري تدريجياً، وتحسن الأوضاع المعيشية.
لكن استمرار الخلافات سيؤدي إلى إطالة أمد الأزمة الإنسانية، وتأخير مشاريع إعادة البناء، واستمرار الاعتماد على المساعدات الخارجية.
البعد الأمني
يؤكد خبراء الأمن أن نجاح أي اتفاق لن يعتمد فقط على جمع الأسلحة، وإنما على إنشاء منظومة أمنية مستقرة، وتحديد الجهة التي ستتولى حفظ الأمن داخل القطاع، وآلية التنسيق مع الجهات الدولية.
كما يشيرون إلى أن أي فراغ أمني قد يؤدي إلى ظهور جماعات جديدة، وهو ما يجعل تنفيذ الخطة أكثر تعقيداً.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول يتمثل في نجاح الوسطاء في التوصل إلى اتفاق متوازن يسمح ببدء تنفيذ خارطة الطريق تدريجياً.
السيناريو الثاني هو استمرار الخلافات السياسية، مما يؤدي إلى تجميد المبادرة واستمرار الوضع العسكري.
أما السيناريو الثالث، فيقوم على تنفيذ محدود لبعض البنود الإنسانية، مع تأجيل الملفات الأكثر تعقيداً مثل نزع السلاح والانسحاب الكامل.
التوقعات
يرجح عدد من المحللين أن تستمر المفاوضات خلال الفترة المقبلة، مع تكثيف الضغوط الدولية لتجنب انهيار مسار وقف إطلاق النار.
ويرى مراقبون أن فرص نجاح المبادرة ستظل مرتبطة بقدرة الوسطاء على تحقيق توازن بين المطالب الأمنية الإسرائيلية والمطالب الفلسطينية المتعلقة بالانسحاب والإدارة المدنية.
وفي حال نجحت هذه الجهود، فقد تمثل الخارطة بداية مرحلة جديدة في غزة، أما إذا تعثرت، فمن المتوقع أن تستمر حالة الجمود السياسي والعسكري، مع بقاء الأوضاع الإنسانية في دائرة الخطر، واستمرار التحديات الأمنية التي تعيق الوصول إلى تسوية دائمة.