تونس..الجمهورية المغدورة
جلال الورغي يكتب
- dr-naga
- 3 أغسطس، 2026
- مقالات وتحليلات
- الجمهورية المغدورة في تونس, انقلاب قيس سعيد, تونس, جلال الورغي
يُفترض أن تحتفل تونس كل عام في 25 يوليو بذكرى إعلان الجمهورية في 1957، بُعيد استقلال البلاد من الاستعمار الفرنسي في 20 مارس 1956. لكن المفارقة أن 25 يوليو بات اليوم مرتبطا بذكرى الانقلاب على المسار الديمقراطي وعلى الجمهورية، الذي نفذه قيس سعيد في 25 يوليو 2021.
وفي ضوء ما حصل منذ خمس سنوات، بتنا نتحدث عن الجمهورية المغدورة في تونس، بسبب الإجراءات والسياسات التي فرضتها منظومة قيس سعيد، والتي طالت المؤسسات الدستورية للدولة، فضلا عن إغلاق الفضاء السياسي العام.
فمنذ انقلابه في 2021 اشتغل قيس سعيّد، عبر سلسلة من الإجراءات الانفرادية على أبعد من مجرد تغيير موازين السلطة، فمضى في إعادة تشكيل طبيعة الدولة ومؤسساتها، بما ينسجم مع رؤيته الشخصية لطبيعة النظام السياسي، وفي تماش انفرادي غير مسبوق في تاريخ تونس منذ استقلالها.
ورغم خبرته المعدومة في الشأن العام، إلا أنه ركّز السلطة في يد رئيس الجمهورية، وأنهى مبدأ التوازن بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وفصلها، محوّلا مركز القرار السياسي إلى مؤسسة الرئاسة، بعد أن كانت السلطة في دستور 2014 (دستور الثورة)، موزعة بين مراكز الحكم الثلاثة وهي الرئاسة والبرلمان ورئاسة الحكومة.
قام سعيد بتعطيل المؤسسات المنتخبة، وفي مقدمتها البرلمان، ثم حلها لاحقا، بما أنهى الدور الرقابي والتشريعي الذي تمارسه السلطة التشريعية. وبعد أن أدار الحكم بالمراسيم لبعض الوقت، صاغ نظاما سياسيا، من خلال دستور 2022، الذي كتبه وحده وناقشه وحده وأصدره وحده، ثم عدّل ما تسرّب إليه من أخطاء وحده، وبمقتضاه وسّع صلاحيات الرئيس، وغيّر طبيعة النظام السياسي بصورة جوهرية، ليجعل منه نظاما رئاسيا مغلظا، وبصلاحيات فرعونية، لا تكاد فيه مؤسسات الدولة الأخرى تبين.
الرئيس قيس سعيد اختار ذكرى الجمهورية في 25 يوليو 2021، ليوقف تجربة الانتقال الديمقراطي، ويدخل تونس ضمن مغامرة مسار حكم فردي مطلق
قوّض الرئيس مبدأ أساسيا للجمهورية وهو مبدأ الفصل بين السلطات، بعد أن اعتبر القضاء مجرد وظيفة وليس سلطة، واستولى على صلاحيات السلطة التشريعية، مهمشا دور البرلمان، الذي لا سلطان له على الحكومة، لا تعيينا ولا رقابة ولا إقالة. ولتصفية إرث «الجمهورية» ضيّق سعيد المجال العام، من خلال ملاحقة المعارضين السياسيين والناشطين النقابيين والحقوقيين والصحافيين. وهمّش الرئيس الأحزاب والمنظمات الوطنية، ولاحقها عبر افتعال قضايا في حقها، كما رفض أي حوارات معها، مشددا على أن عهد الأحزاب السياسية انتهى، وأن مشروعه يقوم على نقيض الرؤية التقليدية للجمهورية. في خضم هذا التقويض الممنهج للمؤسسات الدستورية، ثم إعادة تركيبها وفق رؤية شخصية بحتة، تآكلت مؤسسات الدولة بوتيرة غير مسبوقة، وبدت مشلولة على القيام بمهامها، وتراجعت ثقة الناس في قدرة مؤسسات الدولة على الاضطلاع بأدوارها المعروفة. فالرئيس قيس سعيد وفي مغامرة غير محسوبة ولا هي مضمونة، أصر على المجازفة بإقامة نظام حكم غير تقليدي، لا رافعة سياسية له. فلا هو اعتمد على الأحزاب والمنظمات القائمة، ولا هو شكل حزبا طليعيا يمكن أن يمثل قوة دفع لتنفيذ ما يعتقد أنه الأهداف الكبرى لمشروعه، فهو بدل ذلك اعتمد على اختيار شخصيات بشكل عشوائي لقيادة الحكومة، سرعان ما يتخلص منهم بالإقالة، ثم يحجر عليهم السفر الواحد تلو الآخر. ولا يكاد الناس اليوم في تونس يعرفون اسم رئيس الحكومة، أو وزيرا من الوزراء، ليس فقط لأن سعيد ينظر إليهم مجرد مديرين تنفيذيين لسياساته هو، وإنما أيضا لأنه يحجر عليهم أو يكاد، الظهور الإعلامي، إذ يرى نفسه الوحيد المخوّل بالمهمة الاتصالية ومخاطبة الرأي العام. لذلك يبدو التونسيون اليوم في حالة من الحيرة والغموض وخيبة الأمل، لا يعرفون تحديدا ما يريد رئيسهم، وأين يسير بهم تحديدا.
مثلت العشر سنوات التي تلت سقوط نظام زين العابدين بن علي وفرصة تاريخية استثنائية، تعززت فيها قيم الجمهورية، عبر نظام ديمقراطي، أقام مؤسسات دستورية منتخبة، وتداول ديمقراطي على السلطة، وتوزيع متوازن للسلطة قائم على مبدأ الفصل بين السلطات، في سياق حياة سياسية تعددية ومتنوعة، تلعب فيها الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني أدوارا طليعية ومتقدمة. بيد أن الرئيس قيس سعيد اختار ذكرى الجمهورية في 25 يوليو 2021، ليوقف تجربة الانتقال الديمقراطي، ويدخل تونس ضمن مغامرة مسار حكم فردي مطلق، أفرغ بمقتضاه مؤسسات الجمهورية من كل أدوارها، وقوّض قيم الجمهورية ومبادئها، لصالح سلطة مطلقة يتحكم فيها بشكل فردي، لا أثر لأي سلطات معدلة أو مراقبة أو محاسبة.
في ذكرى إعلانها، تبدو «الجمهورية» في تونس اليوم في حالة احتضار وتفكك وتفسّخ. فالمسار الشعبوي الذي يقوده اليوم قيس سعيد، وما فعله بمؤسسات الدولة، تدميرا وتفكيكا، يمثل مسار اغتيال للجمهورية وإنهاء لها، وهو مسار يلقي تداعيات خطيرة على علاقة الدولة بالمجتمع، والتي كانت دوما علاقة تقوم على الحد المعقول من الثقة والائتمان، يحمي الاجتماع السياسي، ويستبعد شبح الفوضى والعنف من المجال العام.
بعد خمس سنوات منذ الانقلاب على المسار الديمقراطي، يبدو حصاد الرؤية الشعبوية التي يتبناها قيس سعيد، والتي جعل من الحكم المطلق، رافعة لها، حصادا مخيّبا ومحبطا، ويضع البلاد على سكة المجهول والحيرة. وخيبة الأمل لا تخطئها العين ولا يغفل عنها المراقبون. إذ أظهرت المحطات الانتخابية الشكلية التي نظمتها منظومة الحكم الراهنة، الحجم المروع للانصراف عن هذه الاستحقاقات الانتخابية، وكثافة المقاطعة لها. فآخر انتخابات جزئية جرت لم يشارك فيها سوى أقل من 3 في المئة من الناخبين، ولم تمثل بأي شكل من الأشكال حدثا سياسيا. كما عمّق الضعف الاتصالي المروّع لمنظومة الحكم يأس التونسيين وخيبة آمال لانتظاراتهم ورهاناتهم. فالرئيس الذي يحتكر وحده السياسة الاتصالية، لا يكاد يبين، وإن أبان فبخطابات مشحونة بالتخوين والاتهامات لـ»الغرف المظلمة»، التي يشير إليها الرئيس في كل خطاب، ولم يفصح يوما، أو يسلط الضوء على أي منها، حتى بات الكثير من التونسيين يعتقدون أن البلاد مختطفة، وتدار بعيدا عن مركز الحكم المعلومة.
في ذكرى إعلان الجمهورية، تبدو تونس اليوم في أسوأ صورة لها منذ الاستقلال، حيث يقبع الجزء الأبرز من قادتها السياسيين وراء القضبان، بينما اختار آخرون المنفى، بعد أن ضاقت بهم البلاد. بلاد كانت تخط طريقها قبل سنوات بتألق واستثنائية لتعزيز جمهوريتها، واجتراح تجربة تعددية فريدة، يشارك فيها الجميع وينحتها الجميع، حتى غدت البلاد- رغم عثراتها- حالة حيوية لافتة ومثار إعجاب إقليمي ودولي. في ذكرى إعلان الجمهورية، لم تعد تونس اليوم جمهورية، بل تراجعت بشكل مخيف إلى حالة سلبية، منكفئة على نفسها، باهتة الصورة، ضئيلة الحلم، فقيرة الخيال، يتراجع فيها كل شيء إلى الخلف، تحت شعار رسمي ترفعه منظومة الحكم الراهنة بعنوان «لا رجوع إلى الوراء».
تبدو تونس في ذكرى الجمهورية تستجمع مجددا شروط انتفاضتها، وشروط تمردها على شعبوية، انفض من حولها التونسيون، على أمل أن تتراءى لهم في آخر النفق، نقطة ضوء، يسيرون باتجاهها، مديرين ظهورهم لمنظومة حكم تفشل، وتخذلهم وتخذل تونس.
المصدر: القدس العربي