اليابان تدخل سباق المعادن الاستراتيجية من الأعماق
خطوة مفصلية في تاريخ استكشاف الموارد الطبيعية
- السيد التيجاني
- 4 فبراير، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير
- أمريكا, الصين, الموارد الطبيعية, اليابان
في خطوة وُصفت بأنها مفصلية في تاريخ استكشاف الموارد الطبيعية، أعلنت الحكومة اليابانية نجاح سفينة الأبحاث المتطورة «تشيكيو» في استخراج عيّنة من رواسب بحرية تحتوي على عناصر أرضية نادرة من عمق يقارب 6 آلاف متر في المحيط الهادئ، قبالة جزيرة مينامي توريشيما النائية. ويعد هذا الإنجاز الأول من نوعه عالميا من حيث العمق والتقنية، ويفتح الباب أمام تحول استراتيجي في سلاسل توريد المعادن الحيوية.
اكتشاف يتجاوز البعد العلمي
السفينة، التي طُوّرت بتكلفة تجاوزت 250 مليون دولار بالتعاون بين الوكالة اليابانية لعلوم وتكنولوجيا البحار والأرض ومؤسسات بحثية وصناعية، استخدمت تقنية حفر وسحب متقدمة قادرة على استخراج ما يصل إلى 350 طنا من الطمي البحري يوميا، يُعتقد أنه غني بعناصر نادرة عالية القيمة.
المتحدث باسم الحكومة اليابانية كي ساتو وصف العملية بأنها “إنجاز علمي واستراتيجي بالغ الأهمية”، مؤكدا أن التحاليل المخبرية ما زالت جارية لتحديد التركيب الدقيق والكميات القابلة للاستخراج تجاريا.
احتياطيات هائلة وتأثير عالمي
بحسب تقديرات صحيفة نيكاي الاقتصادية، تحتوي هذه الرواسب على كميات تكفي لتغطية 730 عاما من الاستهلاك العالمي لمعدن الديسبروسيوم، و780 عاما من الإيتريوم، وهما عنصران أساسيان في الصناعات التكنولوجية المتقدمة، بما في ذلك المحركات الكهربائية، وتوربينات الرياح، وأنظمة التوجيه العسكرية.
وتقدّر الحكومة اليابانية الحجم الإجمالي للاحتياطي بنحو 16 مليون طن، ما يجعل الاكتشاف أحد أكبر مكامن العناصر الأرضية النادرة المعروفة حتى الآن.
تقليل الاعتماد على الصين
يأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه العلاقات الاقتصادية بين اليابان والصين توترا متصاعدا، خاصة مع تشديد بكين القيود على تصدير المعادن وتقنيات التكرير. وتسيطر الصين حاليا على نحو ثلثي الإنتاج العالمي من تعدين المعادن النادرة، وأكثر من 92% من عمليات التكرير، وفقا لوكالة الطاقة الدولية.
ويرى الدكتور تاكاهيرو كاميسونا، الباحث في معهد الاقتصاد الصناعي بجامعة طوكيو، أن “هذا الاكتشاف يمنح اليابان فرصة نادرة لإعادة التوازن إلى سلسلة الإمداد الوطنية، وتقليص الهشاشة الاستراتيجية الناتجة عن الاعتماد على مصدر واحد”.
أبعاد جيوسياسية أوسع
من جانبه، قال البروفيسور هيروشي تاناكا، أستاذ العلاقات الدولية والطاقة في جامعة كيوتو، إن “ما يحدث ليس مجرد اكتشاف جيولوجي، بل خطوة سياسية بامتياز”، مضيفا أن دخول اليابان مجال التعدين البحري العميق “سيؤثر بشكل مباشر في معادلات النفوذ بين القوى الكبرى، خاصة في ظل الصراع الصيني-الأمريكي على التفوق التكنولوجي”.
ويشير تاناكا إلى أن واشنطن تتابع التطورات عن كثب، وقد ترى في اليابان شريكا محتملا لتأمين إمدادات مستقرة من هذه العناصر بعيدا عن الهيمنة الصينية.
تحديات بيئية وتقنية
رغم الحماس الرسمي، يحذر بعض الخبراء من التحديات البيئية المصاحبة. الدكتورة ميغومي سايتو، المتخصصة في علوم البحار العميقة والمستشارة البيئية للحكومة اليابانية، أكدت أن “التعدين في أعماق البحار قد يؤثر على نظم بيئية لا تزال غير مفهومة بالكامل”، داعية إلى وضع أطر تنظيمية صارمة قبل الانتقال إلى مرحلة الإنتاج التجاري واسع النطاق.
وأضافت أن اليابان، بحكم موقعها، “تقع تحت مجهر المجتمع الدولي”، ما يفرض عليها التزاما مضاعفا بالمعايير البيئية.
رصيد استراتيجي طويل الأمد
في المقابل، يرى شينجي ناكامورا، المدير التنفيذي السابق لشركة مواد صناعية كبرى ومستشار سلاسل التوريد، أن الفوائد تفوق المخاطر، موضحا أن “امتلاك مصدر محلي أو شبه محلي للعناصر النادرة سيمنح اليابان قوة تفاوضية غير مسبوقة، ويعزز تنافسية صناعاتها لعقود مقبلة”.
مستقبل سباق المعادن
يُجمع الخبراء على أن نجاح اليابان قد يدفع دولا أخرى، مثل الولايات المتحدة وأستراليا وكوريا الجنوبية، إلى تسريع برامج الاستكشاف البحري العميق، ما ينذر بمرحلة جديدة من “سباق المعادن النادرة” في أعماق المحيطات.
وفي عالم باتت فيه التكنولوجيا والطاقة النظيفة والدفاع تعتمد بشكل متزايد على هذه العناصر، يبدو أن ما جرى قبالة مينامي توريشيما ليس مجرد اكتشاف، بل إعلان دخول لاعب جديد بقوة إلى معركة الموارد الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين.