الاحتلال يزعم مقتل أبو عبيدة وغزة تغرق في الدماء
في إطار سياسة اغتيالات طويلة اتبعتها منذ عقود
- السيد التيجاني
- 31 أغسطس، 2025
- تقارير
- ابوعبيدة, الاحتلال الصهيوني, حماس, كاتس, نتنياهو
أعلن الاحتلال الصهيوني عبر مسؤوليها السياسيين والعسكريين، أنها نجحت في قتل أبو عبيدة المتحدث باسم كتائب القسام في غارة جوية على غزة، غير أن هذه الرواية تظل في إطار المزاعم دون تأكيد ملموس. فالحركة لم تُصدر أي تعليق رسمي حتى الآن،.

وهو ما يثير تساؤلات حول حقيقة ما جرى. هذه ليست المرة الأولى التي يعلن فيها الاحتلال تصفية قيادات فلسطينية بارزة،
ذلك في إطار سياسة اغتيالات طويلة اتبعتها منذ عقود. وبينما تسعى إسرائيل لتوظيف هذه الادعاءات في حربها النفسية، يبقى الثمن الإنساني المدفوع في غزة شاهداً على أن “الإنجازات المزعومة” تأتي على حساب المدنيين
استهداف رمزي في قلب الحرب
أعلنت إسرائيل على لسان وزير دفاعها يسرائيل كاتس مقتل أبو عبيدة، المتحدث البارز باسم كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس. يأتي الإعلان بعد غارة جوية مكثفة على مدينة غزة،
حيث أشارت إسرائيل إلى أن العملية استهدفت الرجل الذي ظلّ طيلة سنوات واجهة إعلامية للحركة، وصوتها في أوقات الحرب والتهدئة.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال إن الجيش “هاجم أبو عبيدة”، لكنه اعترف بعدم امتلاكه تأكيداً قاطعاً على مصيره. هذا التضارب فتح الباب واسعاً أمام التساؤلات، خصوصاً في ظل غياب أي تعليق من حماس التي لطالما تبنت أو نفت بشكل سريع أخبار استهداف قادتها بحسب عرب نيوز.
غياب التعليق من حماس
التزام حماس الصمت تجاه هذه المزاعم أثار كثيراً من الجدل. فالحركة، التي تخوض حرب استنزاف طويلة منذ هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تدرك أن أي اعتراف بمقتل شخصية بارزة كأبو عبيدة قد يكون له أثر نفسي على جمهورها الداخلي وأنصارها الإقليميين.
وفي المقابل، فإن نفيها دون أدلة قد يمنح إسرائيل مساحة للتشكيك واتهامها بالمراوغة الإعلامية.
مراقبون يرون أن الصمت قد يكون تكتيكياً، في انتظار التحقق أو لحظة دعائية مناسبة، خاصة أن حماس اعتادت إعلان مقتل قادتها الكبار بعد أيام أو حتى أسابيع، كما حدث مع بهاء أبو العطا ويحيى عياش في السابق.
استراتيجية الاغتيالات الإسرائيلية
مزاعم إسرائيل حول قتل أبو عبيدة ليست حدثاً منفرداً؛ بل تأتي في سياق طويل من سياسة الاغتيالات الممنهجة التي انتهجتها منذ عقود ضد حركات المقاومة الفلسطينية.
فمنذ اغتيال خليل الوزير “أبو جهاد” في تونس عام 1988، مروراً بأحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي عام 2004، وصولاً إلى محمد ضيف الذي نجا من محاولات اغتيال متكررة، ظلت إسرائيل تراهن على أن “قطع الرأس” سيضعف الجسد التنظيمي.
إلا أن تجارب الماضي كشفت أن هذه الاستراتيجية كثيراً ما تأتي بنتائج عكسية، إذ سرعان ما تفرز الحركات قيادة بديلة أكثر تشدداً أو أكثر سرية، ما يجعل من “الاغتيال” أداة قصيرة المدى لا تعالج جذور الصراع.
المكاسب الرمزية والنفسية
من الناحية الإسرائيلية، فإن استهداف أبو عبيدة يندرج ضمن الحرب النفسية. فالرجل، الذي لم يظهر بوجهه علناً منذ سنوات،
كان يمثل رمزاً للثبات والتحدي، وصوته في البيانات المصورة كثيراً ما أعطى مقاتلي حماس ومناصريها شعوراً بالتماسك.
إسرائيل تدرك أن ضرب هذا الرمز – سواء قُتل فعلاً أم لا – يوجه رسالة إلى جمهورها الداخلي بأنها تحقق إنجازات ملموسة، ويمنح الجيش الإسرائيلي دفعة معنوية في حرب طويلة ومرهقة سياسياً وعسكرياً.
خسائر بشرية فادحة في غزة
لكن في مقابل هذا الإعلان، جاء المشهد الإنساني في غزة أكثر مأساوية. فالمستشفيات المحلية أعلنت وصول عشرات الجثث منذ يوم السبت، بينهم أطفال ونساء حاولوا الحصول على المساعدات. أكثر من 43 قتيلاً في يومين فقط، بحسب مستشفى الشفاء، وسط تقارير عن إطلاق نار على حشود مدنية في محيط منطقة نتساريم العسكرية.
شهادات السكان تصف ما يحدث بـ”الفخ المميت”، حيث يجد المدنيون أنفسهم بين مطرقة الجوع وسندان الرصاص. هذه الصور تزيد من الضغط الدولي على إسرائيل، وتجعل روايتها بشأن استهداف شخصيات قيادية في حماس موضع تشكيك من زاوية “الكلفة الإنسانية” الباهظة.
التهجير وسوء التغذية
بالتوازي، تفاقمت أزمة النزوح والجوع. الأمم المتحدة تقول إن أكثر من 90% من سكان غزة نزحوا مرة واحدة على الأقل منذ بدء الحرب، بينما ارتفع عدد الوفيات المرتبطة بسوء التغذية إلى أكثر من 339 شخصاً، بينهم 124 طفلاً.
هذه المعطيات تجعل أي “إنجاز عسكري” إسرائيلي يتلاشى أمام صورة المأساة الجماعية، ما يفسر الانتقادات الدولية التي تزداد يوماً بعد آخر.
إسرائيل بين السردية الأمنية والانتقادات الدولية
بالنسبة لإسرائيل، فإن رواية قتل أبو عبيدة جزء من سردية أوسع هدفها تبرير استمرار العمليات العسكرية في غزة، وربطها مباشرة بمنع تكرار هجوم 7 أكتوبر. نتنياهو وغيره من المسؤولين الإسرائيليين يصرّون على أن الحرب لم تنتهِ إلا بالقضاء على “البنية القيادية والعسكرية” لحماس.
لكن المنتقدين يرون أن هذه السياسة – حتى إن أضعفت حماس مؤقتاً – لا تعالج الجذور السياسية للصراع، وأن كلفة المدنيين العالية تجعل إسرائيل تخسر معركة “الشرعية الدولية” ولو ربحت بعض الجولات الميدانية.
تكرار النمط التاريخي
سواء قُتل أبو عبيدة أم لا، فإن المشهد يعيد إلى الأذهان نمطاً تكرارياً: إسرائيل تعلن اغتيال قيادي بارز، حماس تلتزم الصمت أو ترد لاحقاً، العالم ينشغل بالجدل حول “من انتصر” في لحظة معينة، بينما الواقع على الأرض يبقى هو نفسه – غزة تحت الحصار، المدنيون يدفعون الثمن، والمواجهة العسكرية تتجدد.
هذا النمط المتكرر منذ ثلاثة عقود يعكس مأزقاً أعمق: الاغتيالات تغيّر أسماء الوجوه، لكنها لا تغيّر طبيعة الصراع.
ما بين الحقيقة والدعاية
الجدل الدائر حول مقتل أبو عبيدة يكشف مرة أخرى هشاشة الحدود بين الحقيقة والدعاية في زمن الحرب. فإسرائيل تستخدم الإعلام لتضخيم إنجازاتها،
بينما تعتمد حماس على الغموض لإبقاء عنصر الردع قائماً. وبين هذا وذاك، يجد المتابعون صعوبة في التحقق من الروايات وسط غياب وسائل مستقلة داخل غزة المحاصرة.
وبينما قد يتأكد خبر مقتل الرجل في الأيام أو الأسابيع المقبلة، فإن الأكيد أن “رمزية” أبو عبيدة ستبقى حاضرة في خطاب حماس، سواء على شكل شهيد جديد يضاف إلى قائمة قادتها، أو كرمز حيّ يستمر في الظهور المفاجئ كما فعل في مراحل سابقة.
في النهاية إعلان إسرائيل مقتل أبو عبيدة يندرج ضمن سلسلة طويلة من الاغتيالات التي تستهدف رموز حماس.
ورغم ما قد تحققه هذه العمليات من مكاسب نفسية وسياسية قصيرة المدى، فإنها لا تغيّر المعادلة الجوهرية للصراع. فالمأساة الإنسانية في غزة، ودوامة النزوح والجوع، تجعل أي إنجاز عسكري محفوفاً بالتساؤلات الأخلاقية والسياسية،
بينما يظل السؤال الأعمق مطروحاً: هل تستطيع سياسة “قطع الرؤوس” إنهاء مقاومة متجذرة في واقع الاحتلال والحرمان؟.