وقف إطلاق النار بلبنان يختبر فرص الاستقرار الإقليمي

بعد أسابيع من المواجهات العسكرية العنيفة

دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله حيز التنفيذ وسط أجواء من التوتر والحذر، بعد أسابيع من المواجهات العسكرية العنيفة التي حولت جنوب لبنان وشمال إسرائيل إلى ساحة حرب مفتوحة، وأثارت مخاوف إقليمية ودولية من انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع تشمل أطرافا متعددة.

خفض التصعيد 

الاتفاق الذي جرى التوصل إليه بدعم أمريكي وقطري ومساهمة إيرانية جاء في توقيت بالغ الحساسية، بعدما تزامنت المعارك على الجبهة اللبنانية مع التحولات السياسية الناتجة عن التفاهم الأمريكي الإيراني الأخير، والذي وضع إطارا أوسع لخفض التصعيد في الشرق الأوسط.

ورغم الإعلان الرسمي عن وقف العمليات العسكرية، فإن الساعات الأولى من الهدنة شهدت حالة من الارتباك الميداني. فقد تحدثت مصادر لبنانية عن استمرار غارات إسرائيلية بعد بدء تنفيذ الاتفاق، بينما نفت إسرائيل تنفيذ ضربات بعد دخول الهدنة حيز التطبيق الكامل، ما يعكس هشاشة الوضع وصعوبة الانتقال السريع من المواجهة إلى التهدئة.

محاولة لتسجيل مكاسب ميدانية 

المعطيات الميدانية تشير إلى أن الجانبين حاولا خلال الساعات الأخيرة قبل وقف إطلاق النار تحسين مواقعهما العسكرية. فقد كثفت إسرائيل عملياتها الجوية والبرية في مناطق استراتيجية جنوب لبنان، فيما نفذ حزب الله هجمات مكثفة استهدفت قوات إسرائيلية متقدمة، في محاولة لتسجيل مكاسب ميدانية قبل تجميد خطوط الاشتباك.

وتحولت منطقة تلة علي الطاهر شمال نهر الليطاني إلى واحدة من أبرز ساحات القتال خلال الساعات الأخيرة للحرب. وتمثل هذه المنطقة أهمية استراتيجية كبيرة بسبب إشرافها على مساحات واسعة من الجنوب اللبناني، الأمر الذي جعلها هدفا رئيسيا للتحركات العسكرية من الطرفين.

في المقابل، أعلن حزب الله أنه ألحق خسائر بالقوات الإسرائيلية من خلال استهداف دبابات وآليات عسكرية متقدمة، بينما أكدت إسرائيل مقتل عدد من جنودها في إحدى أعنف الهجمات التي تعرضت لها منذ اندلاع الجولة الحالية من القتال. وتعكس هذه التطورات حجم العنف الذي سبق الإعلان عن الهدنة مباشرة.

البعد الأهم في الاتفاق يتمثل في الدور الإيراني الواضح خلال مراحل التفاوض. فبحسب مصادر متعددة، لعبت طهران دورا مؤثرا في الدفع نحو وقف إطلاق النار، وأبلغت حزب الله أن استمرار المباحثات مع الولايات المتحدة يتطلب تهدئة شاملة على مختلف الجبهات، بما فيها الساحة اللبنانية.

هذا التطور يعكس تغيرا نسبيا في الأولويات الإيرانية خلال المرحلة الحالية. فبعد التوصل إلى مذكرة التفاهم مع واشنطن، أصبحت طهران أكثر حرصا على حماية المسار الدبلوماسي ومنع أي تصعيد عسكري قد يؤدي إلى انهياره. ولذلك برزت الجبهة اللبنانية باعتبارها إحدى الساحات التي تحتاج إلى ضبط سريع من أجل الحفاظ على المكاسب السياسية التي تحققت عبر التفاوض.

أما الولايات المتحدة، فقد وجدت نفسها أمام تحدي تثبيت الاتفاق الإيراني الجديد ومنع انتقال التوترات إلى مسارات قد تعرقل تنفيذ بنوده. ولهذا كثفت واشنطن جهودها الدبلوماسية بالتعاون مع قطر وعدد من الوسطاء الإقليميين للوصول إلى صيغة توقف القتال بين إسرائيل وحزب الله.

ورغم نجاح هذه الجهود في الوصول إلى هدنة، فإن الموقف الإسرائيلي لا يبدو متحمسا بشكل كامل للاتفاق. فقد عبر مسؤولون إسرائيليون عن استيائهم من بعض بنوده، معتبرين أنه لا يعالج بصورة كافية المخاوف المرتبطة بإيران وبرنامجها النووي، كما أنه يفرض قيودا على التحركات العسكرية الإسرائيلية في لبنان.

ومن الواضح أن إسرائيل وافقت على وقف إطلاق النار تحت ضغط مجموعة من العوامل السياسية والعسكرية والدبلوماسية. فاستمرار الحرب كان يحمل مخاطر متزايدة، سواء على مستوى الخسائر البشرية أو على صعيد احتمالات توسع المواجهة لتشمل أطرافا أخرى في المنطقة.

في الوقت نفسه، حرصت القيادة الإسرائيلية على التأكيد أنها تحتفظ بحق التحرك ضد أي تهديدات مستقبلية، وأن وقف إطلاق النار لا يعني التخلي عن أهدافها الأمنية. وهذا الموقف يترك الباب مفتوحا أمام احتمالات التوتر مجددا إذا ما وقع أي حادث ميداني أو تبادل للاتهامات بشأن خرق الهدنة.

على الجانب اللبناني، ينظر كثيرون إلى الاتفاق باعتباره فرصة ضرورية لوقف النزيف الإنساني الذي خلفته العمليات العسكرية. فقد تسببت الحرب في سقوط آلاف الضحايا وإلحاق أضرار واسعة بالبنية التحتية والقرى الحدودية، إضافة إلى موجات نزوح كبيرة أثرت على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

ومع ذلك، فإن وقف إطلاق النار لا يعني انتهاء التحديات. فملفات إعادة الإعمار وعودة النازحين وتعويض المتضررين ستفرض نفسها بقوة خلال المرحلة المقبلة. كما أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في بعض المناطق الجنوبية سيبقى مصدر توتر وخلاف سياسي وأمني.

وتواجه الحكومة اللبنانية أيضا مهمة صعبة تتمثل في الحفاظ على الاستقرار الداخلي ومنع أي انزلاق جديد نحو المواجهة. ويتطلب ذلك تنسيقا مكثفا مع مختلف القوى السياسية والأمنية، إضافة إلى دعم دولي يساعد على تثبيت الهدنة وتحويلها إلى ترتيبات أكثر استدامة.

أما حزب الله، فيسعى إلى تقديم الاتفاق باعتباره نتيجة لصمود عسكري وسياسي أجبر إسرائيل على وقف العمليات. وفي المقابل، تحاول إسرائيل إظهار الهدنة باعتبارها خطوة تكتيكية لا تمس قدرتها على الردع أو حرية حركتها العسكرية مستقبلا.

هذه الروايتان المتعارضتان تعكسان طبيعة الصراع القائم منذ سنوات، حيث يسعى كل طرف إلى توظيف أي اتفاق أو مواجهة لتعزيز موقعه السياسي والشعبي. ولذلك فإن نجاح الهدنة لن يقاس فقط بوقف إطلاق النار، بل بمدى قدرة الأطراف على منع عودة التصعيد خلال الأشهر المقبلة.

في المحصلة، يمثل وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله محطة مهمة في مسار التهدئة الإقليمية المرتبطة بالتفاهم الأمريكي الإيراني. لكنه يبقى اتفاقا هشّا تحيط به الشكوك والتحديات، خاصة في ظل انعدام الثقة بين الأطراف وتراكم الملفات العالقة. وبينما تلتقط المنطقة أنفاسها بعد أيام من المواجهات العنيفة، يبقى السؤال الأبرز: هل تشكل هذه الهدنة بداية مرحلة استقرار جديدة، أم أنها مجرد استراحة مؤقتة تسبق جولة أخرى من الصراع؟

اترك تعليقا