وقفة مع الرجال الأربعة

د محمد موسى العامري

يوجد في تأريخ الأمة العديد من الشخصيات التي اختلف الناس في تقييمها والحكم عليها وليس في ذلك من ضير ، وإنما الخلل والإنحراف حينما يتحول الرموز إلى قضايا عقدية يوالى ويعادى عليها ويقرأ تأريخها بعيداً عن العلم والعدل وإنما من خلال الإنتماء إليها أوالتعصب لها .

ولعل من أكثر الشخصيات تعرضاً للقراءة الخاطئة أربعة من الأعلام علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، والحسين بن علي، ويزيد بن معاوية ، إذ انحرف كثير من الناس عن قراءة تأريخهم بميزان الشرع والتاريخ المنصف المحقق و جعلوا ميزان قراءتهم يعود إلى العاطفة والاصطفافات .

أولاً:- علي بن أبي طالب – رضي الله عنه-

علي بن أبي طالب – رضى الله عنه – من السابقين الأولين إلى الإسلام وأحد الخلفاء الراشدين الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم ومن أهل بدر وقد شهد المشاهد كلها تقريباً ويعد من فرسان الصحابة ومن كبار علمائهم بلا نزاع .

وقد وردت في فضله نصوص صحيحة عظيمة، منها:-

1- قوله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: ( لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله )

2- قوله صلى الله عليه وسلم في حديث طويل : – أنت مني وأنا منك )

3- قوله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك :- ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)
وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة وهناك أحاديث أخرى في فضله ويقابلها كم كبير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي اختلقها ونسبها إليه الرافضة والباطنية وغيرهم وعلي رضي الله عنه في غنى عنها .
ومع تجلي فضله ومكانته وسابقته فقدكان رضي الله عنه من أكثر أعلام الإسلام تعرضاً للغلو فلم يكتف بعض الناس بمحبته ومعرفة قدره ومكانته بل غلا فيه وتجاوز الشرع حتى منحه خصائص ومقامات لم تثبت ومنها العصمة تدرجاً في الغلو إلى تأليهه كما فعلت طوائف الغلو من الرافضة والباطنية .
ويقابل ذلك شذوذ من جفاه وانتقص من مكانته وحقوقه من دعاة النصب وغيرهم .
ولاشك أن منهج الإسلام القائم على العدل ليس مع الغلاة ولا مع الجفاة بل مع إثبات مناقبه وفضله ومحبته وخلافته والترضي عنه مع الإيمان بأنه بشر يجري عليه ما يجري على سائر البشر وأن العصمة ليست إلا للأنبياء وحدهم.

ثانياً:- معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنه –

و إذا كان علي بن أبي طالب قد ابتلي بمن غلا فيه فإن معاوية بن أبي سفيان بالمقابل قد ابتلي بمن جفا عنه وهضمه حقه.
فمعاوية صحابي جليل مؤتمن على كتابة الوحي لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومن فضائله: –

1- صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

2- كتابته للوحي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.

3- دخوله في عموم الثناء القرآني والنبوي على الصحابة رضي الله عنهم.

٤- قيادة الأمة في مرحلة دقيقة من تاريخها وقد أجمعت الأمة على بيعته واستقرت في عهده الدولة واتسعت الفتوحات وقويت شوكة المسلمين شرقاً وغرباً.
ومن الأخطاء المنهجية أن بعض الناس يقف عند النظر إلى معاوية باعتباره صحابياً فقط ليس له سوى شرف الصحبة وكأنه أحد الأعراب الذين شهدوا حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرفوا أو ينظر إليه على أنه فقط خصم لعلي بن أبي طالب ثم يحاكمه من خلال هذا الاعتبار والتصور الذي تلقاه سلفاً غافلاً أو متغافلاً عن مكانته وأدواره التي تحققت في عهده .

ثالثاً: – الحسين بن علي – رضي الله عنه –

الحسين بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته وصاحب فضل ومكانة ويكفيه أنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد ورد في فضله عدة مناقب منها :

1- قوله صلى الله عليه وسلم: ( حسين مني وأنا من حسين ) رواه الترمذي وحسنه وكذلك الألباني

2- قوله صلى الله عليه وسلم في الحسن والحسين: هما سيدا شباب أهل الجنة رواه الترمذي وصححه جمع من أهل العلم

3- ما ثبت من محبة النبي صلى الله عليه وسلم له وفي البخاري قال عنه النبي صلى عليه وسلم وعن الحسن : ( هما ريحانتاي من الدنيا )وقد توفى النبي صلى الله عليه وسلم وعمره نحو ست سنوات .
خرج الحسين رضي الله عنه في عهد يزيد بن معاوية رحمه الله ، بناءً على مكاتبات ومراسلات مكثفة وردت إليه من أهل العراق، يعدونه فيها بالبيعة والنصرة واختار الحسين الخروج استجابة لهذه العهود والإلتزامات اجتهاداً منه رغم النصائح والتحذيرات الشديدة التي تلقاها من كبار الصحابة كعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم وكانت تحذيراتهم مبنية على دراية وتقييم لأحوال أهل الكوفة يومها ، الذين سبق لهم أن خذلوا أباه علياً وأخاه الحسن رضى الله عنهم من قبل ، وجاءت النتيجة وفقاً لتلك التخوفات إذ خذله من التزم بنصرته وتخلوا عنه في أحلك الظروف وعندما حوصر الحسين أبدى مرونة سياسية حقناً للدماء، وطرح خيارات عادلة منها التفاوض أو العودة، إلا أن المحاصرين بغوا عليه، ورفضوا الاستجابة، وانتهى الأمر بمقتله مظلوماً شهيداً .
لكن تلتها كارثة أخرى ترتبت على مقتله تقابلها ولاتقل عن خطورة الجريمة نفسها إذ تحولت مأساة الحسين عند بعض الطوائف الشيعية إلى مشروع دائم لإحياء الأحقاد التاريخية والطعن في القرون المفضلة وتمزيق وحدة الأمة بينما الواجب الشرعي هو الترضي عنه ومعرفة حقه، وإدانة قتله، دون تحويل المأساة إلى دين جديد أو هوية مذهبية وطائفية مغلقة.

رابعاً: يزيد بن معاوية -رحمه الله –

ويزيد بن معاوية كذلك من أكثر الشخصيات في التاريخ الإسلامي التي غاب عنها تقييم العدل والإنصاف وكثر حولها الجدل .
وقد بايعه المسلمون وانعقد له سلطان الدولة، ووقعت في عهده فتوحات وغزوات وإنجازات لا يمكن إنكارها ، ومنها مواصلة جيوش بني أمية في عهده حيث استكمل القائد عقبة بن نافع فتوحاته في إفريقية ووصل إلى المحيط الأطلسي مؤمناً حدود الدولة من ناحية الغرب.
وفي الجبهة الشرقية توسعت حدود الدولة واستمرت الفتوحات في مناطق ما وراء النهر وفتحت مدن جديدة لتعزيز النفوذ الإسلامي.
وأشهر ذلك غزوة القسطنطينية التي قادها يزيد بن معاوية بنفسه في عهد أبيه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وكان هذا الجيش يضم عدداً من كبار الصحابة مثل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه.
وفي المقابل وقعت في عهده أحداث عظيمة أنكرها المسلمون وعدوها من كبائر المصائب، وفي مقدمتها مقتل الحسين رضي الله عنه وواقعة الحرة.
غير أن أهل السنة قد توسطوا فيه فتعاملوا معه كما يتعامل مع عامة ملوك المسلمين فاعترفوا بماله وما عليه ولم يقبلوا ما ذهبت إليه طوائف الشيعة من جعله أصل الشرور في تاريخ الإسلام ، بل اعتبروه من عامة المسلمين ، نعم ليس من الأولياء الصالحين ذوي السيرة الحسنة ، ولكنه مسلم يترحم عليه كسائر المسلمين وقد نقل شيخ الاسلام ابن تيمية تفصيلاً حول يزيد استحسن أحدها فقال : إنه كان ملكا من ملوك المسلمين له حسنات وسيئات ولم يولد إلا في خلافة عثمان ولم يكن كافرا ولكن جرى بسببه ما جرى من مصرع الحسين وفعل ما فعل بأهل الحرة ولم يكن صاحباً ولا من أولياء الله الصالحين وهذا قول عامة أهل العقل والعلم والسنة والجماعة .

الخلاصة :-

علي ومعاوية والحسين ويزيد ليسوا فقط أربعة أشخاص في التاريخ بقدر ما هم اختبار حقيقي لمنهج الإنسان في التفكير والتعامل مع قضايا الإشتباك والفتن .
فمن الناس من هو ميال إلى الهوى فيغلو ويقدس من يحبه ويشيطن من يبغضه وآخرون يحولون وقائع التأريخ ورموزه إلى دين يتقمصونه ، بينما الدين كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وليس مرتبطاً برموز وأشخاص والأصل هو ميزان الرجال بميزان العدل والشرع .
وقد استقر عند أهل السنة أصل عظيم قائما على ( إعطاء كل ذي حق حقه وإثبات الفضائل لأهلها وعدم إنكار الأخطاء الثابتة وترك ما شجر بين المسلمين وبخاصة الصحابة إلى علم الله وعدله )
ومن هنا قرر أهل السنة أن ما وقع بين الصحابة باب يطوى ولا ينشر وأن الجميع مجتهدون بين أجر للمخطئ وأجرين للمصيب وأن فضل الصحبة لا يبطله خطأ اجتهادي وقع في زمن الفتنة.
وهذا يعني أنه لايجوز قراءة التأريخ بمنظور الأحقاد والثأرات ولا بمنظور الغلو والتقديس وإنما يقرأ بمزان العدل والإنصاف لأن العدل في الخصومة مع الأعداء واجب، فكيف إذا كان الحديث عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته ومن انتسب إلى دولة الإسلام؟

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

د محمد موسى العامري – داعية

اترك تعليقا