وقفات مع آيات
د مالك الأحمد
- dr-naga
- 1 مايو، 2026
- حوارات ومقالات
- د مالك الأحمد, وقفات مع آيات
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾.
يعلّق ابن كثير على هذه الآية بأنهم حذّاق أذكياء في تحصيل شؤون الدنيا، غير أنهم مع ذلك غافلون عن الآخرة. فلديهم معرفة دقيقة بظواهر الحياة ومعايشها: من تجارة، وزراعة، وصناعة، وعلوم مادية، وتنظيم إداري، وتقدم تقني وحضاري؛ غير أن ذلك كله لا يلزم منه أن يكونوا على هدى في أمر الغاية الكبرى، ولا في معرفة الله، ولا في الإيمان بالآخرة وما ينفعهم فيها.
وقد رأيت في طوكيو مشهدًا لافتًا يختصر هذا المعنى. كنت أسير في أحد الأسواق المكتظة، فرأيت بين المحلات الصغيرة مدخلًا ضيقًا، فدخلت منه لأتعرّف ما وراءه، فإذا هو معبد بوذي. وهناك استوقفني مشهد أحد كبار السن وهو يدخل المكان؛ إذ انحنى أمام تمثال بوذا انحناءً شديدًا، في هيئة خضوع ظاهرة، ثم وضع بعض النقود في موضع مخصص لذلك، وسحب حبلًا مربوطًا بناقوس فأصدر صوتًا، ثم أنهى طقسه وخرج متراجعًا إلى الوراء، ووجهه إلى التمثال، في هيئة توحي بالتوقير والتقديس.
وهذا المشهد يكشف مقدار الخلل في جهة التعبد؛ إذ قد يبلغ الإنسان شأوًا عظيمًا في التنظيم، والدقة، والتهذيب الشكلي، ثم يضل في أعظم قضية: لمن يكون الخضوع؟ ولمن تُصرف العبادة؟
والبوذية ذات حضور تاريخي وثقافي قوي في اليابان، غير أن هذا لا يعني دائمًا التزامًا فرديًا يوميًا أو اعتقادًا صارمًا، لأن الانتماء الديني هناك كثيرًا ما يكون في جانب الطقوس والانتماء الثقافي أكثر من كونه عقديًا خالصًا.
ورغم التقدم الياباني الكبير في التقنية والعلم والتنظيم، فلا يصح أن يظن ظان أن هذا التقدم المادي يكفي وحده لصناعة الهداية. فالتفوق العلمي شيء، والهداية إلى التوحيد شيء آخر. وقد ترى مجتمعًا بلغ الغاية في الإتقان الصناعي والنظام الحضاري، ثم بقي في باب الدين بين طقوس موروثة، أو تدين ثقافي شكلي، أو لا مبالاة أصلًا بالدين وقضاياه الكبرى.
ولا تقف آثار الغفلة عن الآخرة عند باب التصورات والطقوس، بل قد تمتد – حين تضعف المرجعية الإيمانية – إلى باب القيم والسلوك، وإن اختلف ذلك من فرد إلى آخر ومن بيئة إلى أخرى.
وقد حدّثني أحد الفضلاء، ممن عاش في طوكيو زمنًا غير يسير، عن بروز بعض الأنماط الاجتماعية والأخلاقية الغريبة في بعض البيئات، وأن النزعة المادية صارت عند بعض الفئات ظاهرة لافتة، ولو كان ذلك على حساب القيم، والحياء، والاستقامة.
يقول: “تنتشر الآن في أوساط بعض الطالبات في الثانوية والجامعة علاقات عابرة مع أغراب بمقابل مادي، من أجل تحسين الدخل وزيادة الرفاهية الشخصية. وهن لسن ممن يمتهنّ الدعارة؛ فذلك عالم آخر، ولسن يفعلن ذلك مع أصدقاء كما هو منتشر في بعض المجتمعات الغربية، لكنها سلوكيات جديدة وشاذة، تعبّر عن غلبة حب المال، ولو تطلّب الأمر معاشرة الغريب”. وأوضح صاحبي أنه وزملاءه تعرّضوا لمواقف كثيرة من فتيات في سن الدراسة، كنّ يعرضن أنفسهن بصورة واضحة ومباشرة، دون حياء أو تردد.
إن مثل هذه السلوكيات تمثل شاهدًا على أن التقدم المادي لا يمنع بالضرورة الانحدار الأخلاقي، وأن الحضارة التقنية لا تعني حتمًا سلامة الروح، ولا استقامة الفطرة.
فالآية تكشف محدودية العلم الدنيوي إذا انفصل عن الإيمان، وان الانسان قد يعرف كثيرًا من قوانين المادة، ويبرع في الصناعة والتنظيم، ثم يجهل أعظم الحقائق: من ربّه؟ ولماذا خُلق؟ وإلى أين المصير؟