وعد الديمقراطيون بإنهاء الفساد هكذا

صحيفة الغارديان البريطانية /ديفيد سيروتا

كرست جزءاً كبيراً من حياتي المهنية للكتابة والتحقيق ومواجهة التأثير المدمر للمال في السياسة، ولذلك أرى أن وصول قضية الفساد إلى مقدمة اهتمامات الناخبين الأمريكيين في الانتخابات النصفية الأخيرة يمثل تطوراً مهماً.

لقد تصدر الفساد قائمة مخاوف الأمريكيين، وفاز مرشحون بعدما تعهدوا برفض الأموال المقدمة من لجان العمل السياسي التابعة للشركات، وربطوا بين ثقافة المصالح المتبادلة في واشنطن وبين أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة.

لكن المشكلة أن الخطاب السياسي المناهض للفساد لم يصاحبه حتى الآن برنامج إصلاحي يتناسب مع حجم المشكلة. فالدعوة إلى إلغاء قرار المحكمة العليا المعروف باسم «مواطنون متحدون» (Citizens United)، ومنع أعضاء الكونغرس من المتاجرة بالأسهم، وحظر بعض التبرعات السياسية للشركات، كلها إجراءات مفيدة، لكنها لا تعالج جذور الفساد.

إن المشكلة أعمق من مجرد تجاوزات فردية يرتكبها بعض المسؤولين. نحن أمام منظومة تسمح لأصحاب الثروات والشركات الكبرى بتمويل الحملات الانتخابية، ثم استخدام نفوذهم للحصول على قرارات وتشريعات تخدم مصالحهم.

ولذلك ينبغي للكونغرس أن يستخدم صلاحيات التحقيق والاستدعاء لكشف الطريقة التي تحولت بها لجان الإنفاق السياسي المستقلة، المعروفة باسم «سوبر باك»، إلى قنوات محتملة لتبادل المصالح السياسية والمالية.

كما ينبغي إلزام الجهات التي تمول الحملات الانتخابية بالكشف الكامل عن مصادر الأموال، وإغلاق الثغرات التي تسمح للشركات المتعاقدة مع الحكومة بالمشاركة في الإنفاق الانتخابي بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

لكن حتى لو أُلغيت القوانين التي تسمح بهذا الإنفاق، فإن السؤال الأساسي سيظل قائماً: من أين يحصل المرشحون على الأموال اللازمة لخوض الانتخابات؟

إن الاعتماد على التبرعات الصغيرة من المواطنين ليس حلاً كافياً؛ فليس كل مرشح محلي يستطيع الوصول إلى آلاف المتبرعين أو تحويل حملته إلى قضية تحظى باهتمام إعلامي واسع.

الحل الأكثر جدية هو تمويل الحملات الانتخابية من الأموال العامة، بحيث يستطيع المرشحون المنافسة دون الاضطرار إلى الاعتماد على رجال الأعمال والأثرياء الذين قد ينتظرون مقابل دعمهم امتيازات سياسية وتشريعية.

وقد بدأت بعض الشخصيات السياسية الأمريكية تتبنى هذه الفكرة. فهناك دعوات إلى أن تحصل الحملات الانتخابية على تمويل عام يعادل ما تنفقه الجهات السياسية الخارجية لمساندة مرشح معين، بما يحد من قدرة أصحاب الأموال الضخمة على شراء التأثير الانتخابي.

وتوجد بالفعل نماذج لهذا النظام في بعض المدن والولايات الأمريكية، ومنها نيويورك، حيث ساعد نظام مطابقة التبرعات الصغيرة بأموال عامة على تعزيز قدرة المرشحين الذين يعتمدون على المواطنين العاديين في مواجهة أصحاب الثروات.

إن أهمية هذا النظام أنه يجعل صوت المواطن العادي أكثر حضوراً، بدلاً من أن يصبح وزن الناخب مرتبطاً بقدرة الأثرياء على تمويل المرشحين وشراء النفوذ.

ويمكن تمويل هذه البرامج من خلال فرض رسوم على بعض الأنشطة التي تستفيد من النظام السياسي الحالي، مثل شركات الضغط السياسي، والشركات الكبرى التي تحصل على عقود حكومية ضخمة، أو من خلال فرض ضرائب إضافية على أصحاب المليارات.

لكن العقبة الحقيقية ليست مالية، وإنما سياسية. فهل يمتلك الديمقراطيون الإرادة لمواجهة الجهات التي تمول حملاتهم وتوفر لهم الموارد الانتخابية؟

هناك احتمال أن يكتفي الحزب بإجراءات محدودة، مثل منع أعضاء الكونغرس من تداول الأسهم، ليظهر أمام الناخبين أنه استجاب لمطالب مكافحة الفساد، بينما يتجنب المساس بمصالح كبار الممولين.

وقد يستخدم بعض القادة السياسيين احتمال اعتراض الرئيس ترامب على التشريعات ذريعة لعدم التحرك أصلاً.

لكن هذا التردد يعني إهدار فرصة سياسية نادرة. فإذا قدم الديمقراطيون تشريعات حقيقية لمكافحة الفساد، فسيكون على الجمهوريين إما المشاركة فيها أو تحمل مسؤولية تعطيلها أمام الناخبين.

إن المطلوب ليس مجرد شعارات انتخابية جذابة أو حملات تحقق انتشاراً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما إصلاح يحد من سلطة أصحاب الأموال على المؤسسات المنتخبة.

فالفساد السياسي لا يبدأ دائماً برشوة مباشرة، بل قد يبدأ عندما يصبح المسؤول مديناً سياسياً ومالياً لمن موّل وصوله إلى السلطة.

ولهذا فإن تمويل الانتخابات من المال العام يجب أن يتحول إلى محور أساسي في أي مشروع جاد لمكافحة الفساد، وإلا فإن الوعود الانتخابية ستظل مجرد خطاب لا يغير طبيعة العلاقة بين المال والسلطة.
المصدر: مقال ديفيد سيروتا في صحيفة الغارديان البريطانية

اترك تعليقا