واشنطن تدفع لتوحيد مؤسسات ليبيا

برنت يبحث الإصلاحات المالية والإنفاق الموحد والطاقة مع مسؤولين في طرابلس وبنغازي

كثفت الولايات المتحدة تحركاتها السياسية والاقتصادية في ليبيا، في محاولة لدعم مسار توحيد مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار المالي، بالتزامن مع استمرار الجهود الرامية إلى دفع العملية السياسية نحو إنهاء الانقسام وإجراء انتخابات وطنية.

وتأتي هذه التحركات في وقت أجرى فيه كبير مستشاري الشؤون السياسية الليبية بوزارة الخارجية الأميركية، جيرمي برنت، سلسلة لقاءات مع مسؤولين ليبيين في طرابلس، قبل توجهه إلى بنغازي، شملت ملفات الاقتصاد والإنفاق العام والطاقة والمؤسسات العسكرية.

وفي أحدث تحركاته، التقى برنت محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، حيث ناقش الجانبان التطورات المالية والاقتصادية، وخطوات تنفيذ «الاتفاق التنموي الموحد» وضرورة الالتزام ببنوده. وأكد مصرف ليبيا المركزي أهمية الإصلاحات المالية والاقتصادية الهادفة إلى تعزيز الاستقرار، إلى جانب الحفاظ على استقلالية المصرف وإداراته.

ويكتسب ملف الإنفاق الموحد أهمية خاصة في ظل سنوات الانقسام المالي والمؤسسي التي شهدتها ليبيا، إذ يمثل توحيد السياسة المالية وإدارة الموارد العامة إحدى القضايا الأساسية المرتبطة باستقرار الاقتصاد الليبي.

تحرك أميركي متعدد المسارات

لا يقتصر التحرك الأميركي على المصرف المركزي، إذ شملت لقاءات برنت رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، ووزير المالية راشد أبوغفة، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، حيث تركزت المباحثات على ملفات سياسية واقتصادية متداخلة.

وبحث برنت مع الدبيبة دعم التفاهمات المرتبطة بلجنة الحوار المصغر «4+4»، والتوقيع بالأحرف الأولى على الاتفاق، في خطوة تستهدف الدفع بالمسار السياسي إلى الأمام.

كما تناولت اللقاءات مع المسؤولين الاقتصاديين أوضاع المالية العامة، والإنفاق، والإصلاحات الاقتصادية، إلى جانب دعم المؤسسات السيادية والتكنوقراطية التي تمثل ركيزة أساسية لأي تسوية اقتصادية مستدامة.

ويشير هذا الحراك إلى أن واشنطن تتعامل مع الأزمة الليبية من خلال مسارات متوازية، تشمل السياسة والاقتصاد والأمن، بدلاً من حصر جهودها في ملف الانتخابات وحده.

النفط في صدارة الاهتمام

ويمثل قطاع النفط والغاز أحد المحاور الرئيسية في التحرك الأميركي، باعتباره المصدر الأساسي للإيرادات العامة في ليبيا ومحركاً رئيسياً للاقتصاد.

وفي هذا الإطار، بحث برنت مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان سبل تعزيز التعاون والشراكات وتطوير قطاع النفط والغاز، إلى جانب تبادل الخبرات بما يساعد على الحفاظ على استقرار العمليات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء.

كما تبرز أهمية تعزيز الشفافية والحوكمة في إدارة الإنفاق الموجه للقطاع، خصوصاً مع استمرار الحاجة إلى تطوير البنية التحتية النفطية وتحسين إدارة الموارد العامة.

وتشير هذه الملفات إلى ارتباط الاستقرار الاقتصادي في ليبيا بقدرة المؤسسات على إدارة الإيرادات النفطية والإنفاق العام بصورة أكثر انضباطاً وشفافية.

توحيد المؤسسات العسكرية

وفي الجانب الأمني، ناقش برنت مع وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة عبد السلام الزوبي الجهود الأميركية الرامية إلى مساعدة الأطراف الليبية على توحيد المؤسسات العسكرية، وتعزيز التعاون بين الضباط المهنيين من مختلف أنحاء البلاد.

ويمثل توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية أحد الملفات الأكثر حساسية في الأزمة الليبية، نظراً لاستمرار الانقسام بين مراكز القوى في الشرق والغرب.

وتسعى واشنطن، من خلال التواصل مع أطراف مختلفة، إلى دعم بناء مؤسسات وطنية موحدة يمكن أن تشكل قاعدة لاستقرار سياسي وأمني أطول مدى.

الاقتصاد يفرض نفسه على المشهد

ويأتي الحراك الدبلوماسي الأميركي بالتزامن مع استمرار الضغوط الاقتصادية والخدمية التي تواجه المواطنين في ليبيا، بما في ذلك مشكلات الكهرباء والسيولة والوقود وارتفاع تكاليف بعض السلع والخدمات.

ويزيد استمرار هذه الأزمات من أهمية الإصلاحات المالية وتوحيد الإنفاق، إذ إن أي تقدم سياسي لن يكون كافياً وحده ما لم ينعكس على أداء المؤسسات والخدمات الأساسية ومستوى معيشة المواطنين.

كما أن نجاح الاتفاق التنموي الموحد يتوقف على قدرة الأطراف الليبية على الالتزام بتطبيقه عملياً، وليس الاكتفاء بالتوافق السياسي حول بنوده.

اختبار أمام الأطراف الليبية

وتضع التحركات الأميركية الأطراف الليبية أمام اختبار جديد يتمثل في تحويل التفاهمات السياسية والاقتصادية إلى إجراءات ملموسة، خصوصاً في الملفات المتعلقة بالإنفاق العام والمؤسسات السيادية وقطاع النفط.

ويظل التحدي الأكبر هو تجاوز الانقسام المؤسسي الذي عرقل خلال السنوات الماضية بناء سلطة تنفيذية موحدة، وأضعف قدرة الدولة على إدارة مواردها بصورة متكاملة.

ومن ثم، فإن الدفع الأميركي نحو توحيد المؤسسات الاقتصادية والعسكرية والسياسية يعكس محاولة لبناء أرضية مشتركة يمكن أن تدعم المسار الانتخابي لاحقاً.

وفي حال تمكنت الأطراف الليبية من الحفاظ على استقلال المؤسسات الاقتصادية، وتنفيذ الاتفاقات المالية، وتحقيق تقدم في توحيد المؤسسات العسكرية والسياسية، فقد يشكل ذلك خطوة مهمة نحو معالجة جذور الأزمة. أما استمرار الخلافات بشأن السلطة والموارد، فقد يبقي الإصلاحات عرضة للتعطيل ويؤجل الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.

اترك تعليقا