هيومن رايتس: تجنيد الأطفال يتسع في كولومبيا وسط ضعف الحماية

استدراج الجماعات المسلحة للأطفال بسبب الفقر والتهميش وضعف التعليم

الرائد// كشفت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير نشرته اليوم الاثنين 24 أغسطس 2026 أن تجنيد الأطفال من جانب الجماعات المسلحة في كولومبيا يشهد ارتفاعاً حاداً، محذرة من أن أنظمة حماية الطفولة لا تواكب اتساع الظاهرة، وأن الفقر والتهميش وضعف الوصول إلى التعليم، إلى جانب استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، أصبحت عوامل رئيسية في استدراج الأطفال إلى الجماعات المسلحة.

وقالت المنظمة إن تحليلها لبيانات مكتب أمين المظالم الكولومبي يشير إلى تجنيد ما لا يقل عن 1500 طفل منذ عام 2021، مع زيادة واضحة في الحالات منذ عام 2023. وتتحمل الفصائل المسلحة المنشقة عن القوات المسلحة الثورية الكولومبية السابقة، المعروفة باسم فارك، المسؤولية عن النسبة الأكبر من الحالات المسجلة.

وتبرز مقاطعة كاوكا في جنوب غربي البلاد باعتبارها واحدة من أكثر المناطق تضرراً، إذ تتركز فيها أكثر من نصف الحالات التي وثقتها البيانات. والأكثر إثارة للقلق أن الأطفال من السكان الأصليين يمثلون قرابة نصف الحالات المسجلة، رغم أن السكان الأصليين يشكلون نحو 4 بالمئة فقط من إجمالي سكان كولومبيا.

وتشير المنظمة إلى أن أكثر من 30 بالمئة من الأطفال الذين جرى تجنيدهم تتراوح أعمارهم بين 10 و14 عاماً، وهي أعمار تجعل التجنيد في بعض الحالات قابلاً للتوصيف باعتباره جريمة حرب بموجب القانون الدولي.

وقالت خوانيتا غويربرتوس، مديرة منظمة هيومن رايتس ووتش في الأمريكتين، إن الجماعات المسلحة تجند الأطفال مع الإفلات من العقاب، بينما تفشل أنظمة الحماية، وتحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة أكثر فاعلية لاستقطابهم. وأضافت أن تجنيد كل طفل يمثل مؤشراً على إخفاق الدولة في حمايته.

ولا تقتصر المشكلة على النشاط المسلح المباشر، إذ توضح المنظمة أن الجماعات تستخدم الأطفال في جمع المعلومات والمراقبة ونقل الرسائل والخدمات اللوجستية وحراسة الرهائن، كما تستغل بعضهم في تجارة المخدرات أو لحماية قادة الجماعات. وتتعرض الفتيات بصورة خاصة لخطر العنف الجنسي.

وأظهر التحقيق أيضاً انتقال الجماعات المسلحة إلى وسائل أكثر حداثة في التجنيد. فقد راجع الباحثون أكثر من 70 حساباً ومنشوراً على تيك توك وفيسبوك تمجد الانضمام إلى الجماعات المسلحة وتعرض ما يشبه عروض العمل أو تقدم صوراً للحياة داخل تلك الجماعات، إضافة إلى رسائل خاصة تستخدم للتواصل مع الأطفال.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن باحثيها وجدوا أن بعض الحسابات التي حُذفت عادت للظهور بحسابات جديدة، كما لاحظوا أن أنظمة التوصية في بعض الحالات بدت وكأنها تدفع المستخدمين الذين شاهدوا هذا النوع من المحتوى إلى حسابات أخرى مرتبطة بجماعات مسلحة.

وتنتقد المنظمة في الوقت نفسه استجابة الحكومة الكولومبية، مشيرة إلى أن السياسة الوطنية لمنع تجنيد الأطفال، التي أقرت عام 2018، أصبحت قديمة ولا تتضمن خطة تنفيذ واضحة أو ميزانية مخصصة بصورة كافية. كما أن الهيئة الحكومية المسؤولة عن تنسيق جهود الوقاية تفتقر، بحسب التقرير، إلى الموارد والقدرة التنفيذية اللازمة للوصول إلى المناطق المحلية الأكثر تعرضاً للخطر.

وتكشف أرقام العدالة عن جانب آخر من الأزمة؛ فخلال العقد الماضي، لم تؤد سوى نحو 1 بالمئة من الشكاوى المتعلقة بتجنيد الأطفال إلى فتح تحقيقات جنائية، بينما انتهت نحو 0.2 بالمئة فقط إلى أحكام بالإدانة، وهو ما يعكس فجوة كبيرة بين حجم الانتهاك وقدرة المؤسسات على محاسبة المسؤولين عنه.

وتحذر المنظمة من أن معالجة الظاهرة بالانتشار العسكري وحده لن تكون كافية، داعية الإدارة الجديدة للرئيس أبيلاردو دي لا إسبرييلا إلى الجمع بين حماية المدنيين وملاحقة قادة الجماعات المسلحة ومعالجة الظروف التي تساعد على التجنيد، وفي مقدمتها الفقر الريفي والاقتصادات غير المشروعة والفساد وضعف فرص التعليم.

ويقدم التقرير بذلك صورة تتجاوز البعد الأمني للأزمة؛ فالجماعات المسلحة تستفيد من غياب الدولة في المناطق النائية، بينما يجد الأطفال أنفسهم أمام خيارات محدودة في بيئات تفتقر إلى التعليم وفرص العمل والحماية. ومن ثم فإن مواجهة التجنيد تتطلب، إلى جانب الإجراءات الأمنية، استثماراً أكبر في المدارس والخدمات الاجتماعية وحماية المجتمعات المحلية، خصوصاً السكان الأصليين.

وتقول هيومن رايتس ووتش إن منظمات المجتمع المحلي، وفي مقدمتها الحرس الأصلي غير المسلح، اضطلعت بدور مهم في حماية الأطفال وإنقاذ بعضهم، لكنها دفعت ثمناً باهظاً لذلك، إذ تعرض بعض قادتها وأعضائها للقتل على يد الجماعات المسلحة.

المصادر :

هيومن رايتس ووتش، تقرير «فكرت أنني لن أرى أمي مرة أخرى: تجنيد الأطفال واستخدامهم من جانب الجماعات المسلحة في كولومبيا»، 24 أغسطس 2026.

هيومن رايتس ووتش، بيان «توسع تجنيد الأطفال من جانب الجماعات المسلحة في كولومبيا»، 24 أغسطس 2026.

خوانيتا غويربرتوس، مديرة هيومن رايتس ووتش في الأمريكتين، تصريحات منشورة ضمن تقرير المنظمة، 24 أغسطس 2026.

اترك تعليقا