هل تحولت المدارس الأوروبية إلى ساحات معارك عابرة للحدود؟

"جرائم الطعن" تجتاح أسوار المدارس في القارة العجوز

تحول سلاح “السكين” في الآونة الأخيرة إلى الكابوس الأول داخل أروقة المدارس الأوروبية، حيث سجلت القارة العجوز قفزة مقلقة في حوادث الطعن، مما دفع الحكومات لإعادة النظر في مفهوم “أمن المؤسسات التعليمية”.
إليك رصد تحليلي لسجل هذه الحوادث وأبعادها:
أولاً: خارطة الحوادث (أمثلة من الواقع المرير)

بريطانيا (بؤرة الأزمة):

تعتبر لندن ومدن الشمال الأكثر تضرراً؛ حيث شهدت السنوات الأخيرة حوادث طعن داخل أو أمام بوابات المدارس بشكل شبه شهري،  على مدى السنوات الأخيرة، شهدت بريطانيا عددًا من حوادث الطعن داخل المدارس:

  • 2025: قتل (Harvey Willgoose)  البالغ من العمر 15 عامًا على يد زميله في مدرسة (All Saints Catholic) الثانوية.
  • 2024: فتاة تبلغ من العمر 13 عامًا هاجمت معلمتين وطالبًا في (Ammanford)، وأدينت بثلاث تهم بمحاولة القتل.
  • 2022-2023: مراهقان، (Jakele Pusey وJovani Harriott)، حكم عليهما مدى الحياة بعد قتل (Khayri Mclean)البالغ من العمر 15 عامًا، خارج مدرسته في هدرسفيلد.

وكشفت تحقيقات (BBC) أن 1,304 جرائم تتعلق بالسكاكين أو الأدوات الحادة سُجلت في المدارس وكليات المرحلة السادسة في إنجلترا وويلز خلال 2024.

فرنسا (تحدي الأمن والهوية):

شهدت فرنسا حوادث طعن استهدفت معلمين وطلاباً، لعل أبرزها حادثة طعن معلم في أراس بشمال فرنسا في أكتوبر 2023.

التحليلات الصحفية الفرنسية تشير إلى أن المدارس لم تعد “ملاذاً آمناً” بل أصبحت ساحة لتصفية الحسابات أو التطرف.

ألمانيا (نمو مقلق):

سجلت ولايات مثل “شمال الراين وستفاليا” زيادة ملحوظة في حوادث السكاكين بين القاصرين. في مطلع 2024، وقعت حادثة طعن في مدرسة بمدينة فوبرتال أسفرت عن إصابة عدة طلاب، مما دفع السلطات الألمانية لمناقشة وضع بوابات كشف معادن في المدارس.

السويد والنرويج:

حتى الدول التي كانت تُعرف بالأمان المطلق، سجلت حوادث طعن في المدارس مرتبطة بصراعات “عصابات الضواحي” التي بدأت تتغلغل في أوساط المراهقين.

لماذا الآن؟ 
تشترك التحليلات الأوروبية في أربعة أسباب رئيسية وراء هذه الظاهرة:

تأثير “تيك توك” وعصابات الإنترنت: بروز ثقافة “تمجيد السكين” (Knife Culture) في الأغاني والفيديوهات القصيرة، حيث يُصور حمل السلاح كرمز للقوة والمكانة.

تداعيات ما بعد الجائحة: يربط خبراء الصحة النفسية بين السلوك العدواني المفرط لدى الطلاب وبين العزلة الاجتماعية التي عاشوها أثناء فترات الإغلاق، مما أضعف مهارات حل النزاعات لديهم.

سهولة الاقتناء: السكاكين سلاح “صامت ورخيص” وسهل الإخفاء مقارنة بالأسلحة النارية، كما أن الثغرات في قوانين الشراء عبر الإنترنت جعلت السيوف والسكاكين التكتيكية في متناول الأطفال.

الفوارق الاجتماعية: تتركز أغلب الحوادث في المناطق التي تعاني من تهميش اقتصادي، حيث يجد المراهقون في العصابات “انتماءً بديلًا”.

الرؤية المستقبلية (من التعليم إلى التحصين)
تنتقل أوروبا اليوم من مرحلة “الصدمة” إلى مرحلة “الاستجابة” من خلال:

عسكرة المدارس؟: نقاش حاد حول جدوى وضع أجهزة كشف معادن وضباط شرطة دائمين، وهو ما يرفضه تربويون خشية تحويل المدارس إلى سجون.

المسؤولية الأبوية: تشريعات جديدة في بعض الدول تفرض غرامات أو ملاحقات قضائية على ذوي القاصرين الذين يحملون أسلحة بيضاء.

التثقيف الوقائي: إدخال مواد دراسية تعلم الطلاب “مخاطر حمل السلاح” بدلاً من الاعتماد على العقاب فقط.

 لماذا أصبحت ظاهرة اجتماعية عابرة للحدود؟ 
نعم، تُجمع التقارير الأمنية والاجتماعية الحديثة (2025-2026) على أن جرائم الطعن في المدارس الأوروبية لم تعد حوادث معزولة، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية عابرة للحدود تتشابه في أسبابها وتحدياتها عبر مختلف الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وبريطانيا..إليك الأبعاد التي تجعلها “ظاهرة عابرة للحدود”
 تشابه “النظام البيئي” للمخاطر
لا يُنظر إلى طعن المدارس كمشكلة قائمة بذاتها، بل كجزء من “نظام بيئي” معقد ومشترك بين الدول الأوروبية يشمل:

ثقافة العصابات العابرة للحدود: استغلال العصابات المنظمة للمراهقين (بدءاً من سن 12 عاماً) في نقل الأسلحة والمخدرات داخل المدارس.

المحتوى الرقمي: انتشار المحتوى الذي يمجد العنف عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو محتوى لا يعترف بالحدود الجغرافية ويؤثر على المراهقين في لندن وباريس وبرلين على حد سواء.

 إحصائيات مقلقة (2024 – 2025)

أوروبا بشكل عام: أشار الاتحاد الأوروبي إلى “ارتفاع مثير للقلق” في حوادث السكاكين الخطيرة داخل المدارس في عدة دول أعضاء، مما أدى لتراجع ثقة المواطنين في قدرة السلطات على حماية المعلمين والطلاب.

بريطانيا: سجلت إنجلترا وويلز وحدها أكثر من 1,300 جريمة تتعلق بالسكاكين داخل المدارس وكليات التعليم المتوسط في عام 2024، مع ملاحظة صادمة بأن 10% من هذه الحوادث ارتكبها أطفال في سن المدرسة الابتدائية.

التصاعد العالمي: حذرت اليونسكو من زيادة قدرها 44% في الهجمات على المرافق التعليمية عالمياً خلال عام 2024، وهو ما ينعكس بوضوح في ارتفاع حدة العنف داخل المدارس الأوروبية.

العوامل المشتركة العابرة للحدود
تشير التحليلات إلى أن هذه الظاهرة تتغذى على جذور اجتماعية واقتصادية مشتركة في أوروبا:

التهميش والإقصاء المدرسي: هناك ارتباط وثيق بين طرد الطلاب من المدارس وبين لجوئهم لحمل السكاكين والانضمام للعصابات.

الهجرة غير المنتظمة: أشارت بعض التقارير في البرلمان الأوروبي إلى ضرورة دراسة أثر موجات الهجرة غير المنتظمة وعدم الاندماج كأحد العوامل التي ساهمت في تغيير طبيعة العنف في بعض المجتمعات المدرسية.

الفقر وعدم المساواة: تتركز الجرائم بشكل غير متناسب في المناطق المحرومة اقتصادياً في جميع أنحاء أوروبا.

استجابة أوروبية موحدة
نتيجة لطابعها العابر للحدود، بدأ التحرك على مستويات عليا:
منظمة الصحة العالمية (أوروبا): صنفت العنف بين الشباب (10-29 عاماً) كسبب ثالث رائد للوفاة في المنطقة الأوروبية، داعية لنهج “صحة عامة” موحد لمواجهة جرائم السكاكين.

التشريعات المنسقة: بدأت دول أوروبية عديدة في تنسيق قوانينها لحظر بيع أنواع معينة من السكاكين (مثل سيوف الزومبي) عبر الإنترنت، لمنع الالتفاف على القوانين المحلية عبر الشراء من دول مجاورة.

جرائم الطعن في المدارس الأوروبية هي “عدوى اجتماعية” تنتقل عبر الفضاء الرقمي وتتغذى على الأزمات الاقتصادية، مما يجعلها تحدياً أمنياً يتطلب تنسيقاً يتجاوز حدود الدولة الواحدة.