هكذا تعول إيران علي الحلفاء لتفريغ العقوبات الأمريكية من مضمونها
طهران تكثف مساعيها للبحث عن قنوات بديلة
- abdelrahman
- 25 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- اخبار جريدة الرائد, الصين, العقوبات الامريكية, ايران, روسيا, قنوات بديلة
الرائد : دخلت المواجهة الاقتصادية بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر تعقيداً مع انتقال واشنطن من استهداف الشركات والكيانات الإيرانية إلى الضغط على الدول التي تواصل التعامل التجاري مع طهران.
فقد أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب عن حملة اقتصادية واسعة تستهدف خنق مصادر الإيرادات الإيرانية، بالتوازي مع تحذير الدول والشركات من التعرض لعقوبات ثانوية إذا واصلت تجارتها مع إيران.
في المقابل، تراهن طهران على شبكة علاقاتها الدولية، خصوصاً مع الصين وروسيا ودول آسيوية وإقليمية، لتقليل تأثير العقوبات وتحويلها من أداة لخنق الاقتصاد الإيراني إلى ضغط يمكن احتواؤه. هذا الطرح ليس وهماً بالكامل، لكنه في الوقت نفسه لا يعني أن إيران تستطيع ببساطة إبطال العقوبات الأمريكية.
الصين والعقوبات علي إيران
وفي هذا السياق تعد الصين هي الحلقة الأهم في المعادلة. فهي المشتري الأكبر للنفط الإيراني، وتشير تقديرات لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأمريكية-الصينية إلى أن الصين اشترت في 2025 نحو 1.4 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني، أي قرابة 12% من وارداتها النفطية،
وقد وفرت هذه المبيعات لإيران عشرات المليارات من الدولارات سنوياً. كما أن الصين تمتلك شبكات تجارية ومالية تساعد إيران على مواصلة جزء من تجارتها الخارجية رغم العقوبات.
لكن السؤال الأهم هو: هل يمكن لبكين أن تضحي بتريليونات الدولارات من تجارتها مع الولايات المتحدة من أجل إيران؟الإجابة الأقرب إلى الواقع هي: لا. الصين لن تنظر إلى العلاقة مع إيران باعتبارها معركة من أجل إيران وحدها، وإنما باعتبارها جزءاً من صراع أوسع على النظام الاقتصادي العالمي.
لذا يجب أن نضع في اعتبارنا أن حجم المصالح الصينية مع الولايات المتحدة والأسواق الغربية يفوق بكثير حجم تجارتها مع إيران، ولذلك ستسعى بكين إلى معادلة دقيقة: الحفاظ على جزء كبير من تجارتها النفطية مع إيران، مع تجنب مواجهة شاملة مع النظام المالي الأمريكي.
تجنب المواجهة مع واشنطن
وهذا ما يفسر الموقف الأمريكي الحالي. فواشنطن هددت بفرض عقوبات ثانوية على الدول المتعاملة مع إيران، لكنها تجنبت حتى الآن استهداف المؤسسات المالية الصينية الكبرى المرتبطة بتجارة النفط الإيراني، في مؤشر واضح على أن الولايات المتحدة نفسها تدرك تكلفة الدخول في مواجهة اقتصادية شاملة مع بكين.
وفي المقابل، أعلنت الصين رفضها للتهديدات الأمريكية، مؤكدة أنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية مصالحها الوطنية. وهذا يعني أن بكين لن تقبل بسهولة أن تتحول العقوبات الأمريكية إلى أداة تتحكم من خلالها واشنطن في سياستها التجارية الخارجية.
لذلك يمكن لإيران الاستفادة من الصين، ولكن ليس إلى درجة الحصول على مظلة اقتصادية مفتوحة بلا حدود. فبكين تستطيع شراء النفط الإيراني، وتشغيل قنوات تجارية بديلة، واستخدام اليوان وشبكات مالية غير مرتبطة مباشرة بالدولار، لكنها في الوقت نفسه ستظل حريصة على عدم تعريض اقتصادها لعقوبات أمريكية واسعة.
أما الرهان الإيراني على تعدد الجوار الجغرافي فهو أكثر واقعية من فكرة الاعتماد على حليف واحد. إيران تمتلك حدوداً برية مع سبع دول، هي العراق وتركيا وأرمينيا وأذربيجان وتركمانستان وأفغانستان وباكستان، إضافة إلى امتلاكها منافذ بحرية واسعة على الخليج وبحر عمان وبحر قزوين. وهذا الموقع يمنحها فرصاً كبيرة لإعادة توجيه جزء من تجارتها عبر دول الجوار.
الالتفاف علي العقوبات
غير أن الجغرافيا لا تعني بالضرورة سهولة الالتفاف على العقوبات. الولايات المتحدة تستطيع الضغط على البنوك وشركات النقل والتأمين والموانئ ومشتري النفط، وليس فقط على الحدود الإيرانية. وبالتالي فإن المشكلة ليست في وصول السلعة إلى إيران فحسب، وإنما في كيفية دفع ثمنها وتمويلها وتأمينها ونقلها وإعادة تصديرها.
وهنا تكمن قوة العقوبات الأمريكية. واشنطن لا تحتاج إلى إغلاق كل الحدود الإيرانية حتى تضغط على الاقتصاد؛ يكفي في كثير من الأحيان تهديد الشركات والبنوك الأجنبية بفقدان إمكانية الوصول إلى النظام المالي الأمريكي. ولهذا سبق للخزانة الأمريكية أن استهدفت شركات وشبكات صينية وهونغ كونغية مرتبطة بتمويل وتوريد احتياجات إيرانية.
مع ذلك، فإن حصار إيران اقتصادياً بشكل كامل يبدو أكثر صعوبة من مجرد إعلان عقوبات. فالدولة الإيرانية تمتلك خبرة طويلة في التعامل مع العقوبات، كما أن اقتصادها مرتبط بشبكات تجارية في الصين وتركيا ودول آسيوية وإقليمية. وتشير تقارير إلى أن جزءاً كبيراً من النفط الإيراني يجد طريقه إلى السوق الصينية من خلال ترتيبات تجارية معقدة.
مقاومة العقوبات
لكن قدرة إيران على مقاومة العقوبات لا تعني عدم وجود تكلفة. فالالتفاف على العقوبات عادة ما يكون أكثر كلفة وأقل كفاءة من التجارة الطبيعية، ويجبر الدولة على تقديم خصومات أكبر على صادراتها واستخدام وسطاء متعددين وتحمل مخاطر مالية ولوجستية. وبالتالي قد تستطيع طهران منع الانهيار الكامل، لكنها لا تستطيع بالضرورة منع تآكل اقتصادها.
والعامل الحاسم سيكون موقف الدول الكبرى. فإذا اتفقت الصين وروسيا والهند وتركيا ودول أخرى على رفض العقوبات الثانوية، فإن قدرة واشنطن على عزل إيران ستتراجع بوضوح. أما إذا اختارت هذه الدول التعاون مع واشنطن، ولو بصورة جزئية، فإن الضغط على طهران سيصبح أشد كثيراً.
ومن هنا تبدو الاستراتيجية الإيرانية القائمة على “الحلفاء” واقعية باعتبارها استراتيجية تخفيف للأضرار وليست استراتيجية لإلغاء العقوبات. فالصين تستطيع أن تكون شرياناً اقتصادياً مهماً، وروسيا شريكاً سياسياً، ودول الجوار منافذ للتجارة، لكن لا يبدو أن أياً من هذه الأطراف مستعد لتحمل تكلفة مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة من أجل إيران.
قنوات بديلة
وفي النهاية، فإن المعركة الحقيقية ليست بين واشنطن وطهران فقط، وإنما حول مدى قدرة الولايات المتحدة على إجبار النظام التجاري العالمي على الاصطفاف خلف عقوباتها. وكلما اتسعت دائرة الدول الرافضة للعقوبات، أصبحت أكثر صعوبة. أما إذا تمكنت واشنطن من إقناع معظم الشركاء بأن التعامل مع إيران سيكلفهم الوصول إلى الأسواق والتمويل الأمريكي، فسيصبح الرهان الإيراني على الحلفاء أقل قدرة على تحقيق النتائج.
لذلك فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس نجاح واشنطن في خنق إيران بالكامل، ولا نجاح طهران في تفريغ العقوبات من مضمونها بالكامل، وإنما نشوء حرب استنزاف اقتصادية طويلة: واشنطن تحاول تضييق قنوات الإيرادات، وإيران وحلفاؤها يحاولون فتح قنوات بديلة. وفي مثل هذه المعركة ستكون الصين اللاعب الأكثر أهمية، لكنها ستظل تتحرك وفقاً لمصالحها القومية، لا باعتبارها حليفاً مستعداً للتضحية بمصالحه الاقتصادية الهائلة مع الولايات المتحدة من أجل إيران.