هدنة غزة.. اتفاق بعد فوات الأوان

الفصائل الفلسطينية تبحث تفاهمات المرحلة الثانية لوقف الحرب

بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب والمفاوضات المتقطعة، تبدو التفاهمات الخاصة بالمرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في قطاع غزة أمام اختبار جديد، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية لإنهاء القتال وتثبيت الهدنة.

وفي اجتماع للفصائل الفلسطينية بمدينة العلمين المصرية، ناقش وفد حركة «حماس» تفاصيل الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع الوسطاء و«مجلس السلام». وخلال الاجتماع، قال مسؤول فصائلي بارز إن الاتفاق الحالي كان يمكن الوصول إليه قبل أشهر، لو جرى تقديم التنازلات نفسها في وقت سابق.

وتكشف هذه التصريحات عن حجم الجدل داخل الساحة الفلسطينية بشأن مسار المفاوضات، خصوصاً أن الاتفاق الأخير يأتي بعد أشهر من القتال وسقوط مئات الضحايا، إضافة إلى تدمير واسع في مناطق مختلفة من القطاع.

من القاهرة بدأت خريطة الطريق

في منتصف أبريل الماضي، تلقى الوفد المفاوض لـ«حماس» خريطة طريق تتعلق بالمرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، خلال اجتماع في القاهرة.

وشارك في الاجتماع ممثلون عن الإدارة الأميركية وعن قوة الاستقرار الدولية التي يفترض أن تعمل في قطاع غزة ضمن الترتيبات الجديدة.

لكن الطريق إلى الاتفاق لم يكن سهلاً. فقد تبادل الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي الملاحظات والتعديلات، فيما تدخل الوسطاء لمحاولة تقريب وجهات النظر.

وفي نهاية يوليو، أُعلن التوصل إلى تفاهم بشأن المرحلة الثانية، لكن تنفيذ الاتفاق ظل مرتبطاً بموافقة إسرائيل وبضمانات أميركية تتعلق بوقف العمليات العسكرية.

الضمانات الأميركية

وتقول مصادر فصائلية إن الصيغة التي يجري التعامل معها حالياً كانت مطروحة في مراحل سابقة، وإن العنصر الجديد هو الضمان الأميركي.

ويتمثل هذا الضمان، وفق المصادر، في إلزام إسرائيل بوقف عملياتها داخل غزة، واستكمال ما تبقى من المرحلة الأولى، ثم الانتقال إلى المرحلة الثانية.

كما يتضمن المسار الجديد بحث آلية تتعلق بسلاح الفصائل الفلسطينية، بما يسمح بحصره ضمن ترتيبات يجري الاتفاق عليها.

لكن استمرار التردد الإسرائيلي بشأن الموافقة النهائية يثير مخاوف من عودة المفاوضات إلى نقطة الصفر، خصوصاً مع وجود سوابق عديدة تعثرت فيها اتفاقات وقف إطلاق النار بسبب خلافات بشأن التنفيذ.

ضحايا في انتظار الاتفاق

وخلال فترة المفاوضات، استمر سقوط الفلسطينيين في القطاع.

وتشير البيانات التي أوردتها وزارة الصحة في غزة إلى مقتل أكثر من 119 فلسطينياً خلال مايو، بينهم 19 طفلاً و10 نساء.

وفي يوليو، ارتفع عدد القتلى إلى 152، بينهم 21 طفلاً و14 امرأة و4 من كبار السن، في أعلى حصيلة شهرية منذ بداية العام وفق الأرقام الواردة في المادة.

كما شهد أغسطس عمليات قتل متفرقة، من بينها مقتل أكثر من 19 فلسطينياً في يوم واحد في الثاني من الشهر.

وترى مصادر فلسطينية أن هذه الخسائر عززت الضغوط على الفصائل للقبول بالتفاهمات المطروحة، حتى لو كانت أقل من المطالب التي كانت مطروحة في مراحل سابقة.

هل أضاعت الفصائل فرصة سابقة؟

يرى أحد المشاركين في المفاوضات أن الفلسطينيين كان بإمكانهم التوصل إلى اتفاق قبل العمليات الإسرائيلية في رفح، معتبراً أن التنازلات الحالية كانت أقل كلفة في ذلك الوقت.

لكن المصدر نفسه يشير إلى أن إسرائيل كانت تعرقل بدورها العديد من المقترحات، وبالتالي لا يمكن تحميل طرف واحد مسؤولية فشل المفاوضات.

وتؤكد «حماس» من جانبها أنها حاولت الوصول إلى اتفاق يحقق مصالح الفلسطينيين، لكنها وجدت نفسها أمام شروط صعبة وواقع عسكري وإنساني لم يعد يسمح بهامش واسع للمناورة.

كما تشير الحركة إلى أن صعوبة الاتصال مع بعض قياداتها في غزة أثرت في سرعة اتخاذ القرارات بشأن المقترحات التي كان الوسطاء يقدمونها.

محطات تفاوضية متكررة

شهدت حرب غزة منذ بدايتها عدداً كبيراً من المبادرات.

وفي نوفمبر 2023، جرى التوصل إلى أول هدنة مؤقتة، تضمنت تبادل أسرى وإدخال مساعدات ووقود.

وفي مطلع 2024، طرحت مصر وقطر والولايات المتحدة مقترحاً لوقف إطلاق النار لمدة أربعة أشهر، لكن المفاوضات لم تنجح في إنهاء الحرب.

وفي مايو، تزامنت المفاوضات مع العملية الإسرائيلية في رفح، قبل أن يطرح الرئيس الأميركي السابق جو بايدن خطة من ثلاث مراحل تضمنت وقف الحرب والانسحاب وتبادل الأسرى وإعادة الإعمار.

وفي يونيو، أيد مجلس الأمن الدولي الخطة عبر القرار 2735، لكن الخلافات حول آلية التطبيق حالت دون تنفيذها بالكامل.

اتفاقات جديدة بعد كل جولة قتال

ومع وصول إدارة ترمب إلى السلطة، شهدت المفاوضات دفعة جديدة أدت إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وعودة النازحين وانسحاب إسرائيلي تدريجي.

لكن الحرب استؤنفت في مارس الماضي، ما أعاد الوسطاء إلى طاولة المفاوضات.

وبمشاركة مصر وقطر وتركيا ودعم أميركي، بدأت جهود جديدة لتثبيت وقف إطلاق النار والانتقال إلى المرحلة الثانية، بالتزامن مع طرح ترتيبات جديدة لمستقبل قطاع غزة.

ويبقى ملف سلاح الفصائل، إلى جانب الانسحاب الإسرائيلي والضمانات الدولية وإعادة الإعمار، من أكثر القضايا حساسية في المفاوضات.

وبين اتفاقات تتأخر وأخرى تنهار، دفع المدنيون الفلسطينيون الثمن الأكبر، إذ تجاوز عدد القتلى منذ 7 أكتوبر 2023، وفق الأرقام الواردة في المادة، 73 ألفاً، بينما تخطى عدد المصابين 174 ألفاً.

وتشير هذه الحصيلة إلى أن أي تأخير جديد في تنفيذ وقف إطلاق النار لا يعني فقط تعثر مسار سياسي، وإنما يفتح الباب أمام استمرار الخسائر الإنسانية في القطاع.

اترك تعليقا