هجوم الحوثيين أحدث ارتداد لحرب ترامب على إيران

محمد بازي/ الجارديان البريطانية

تصاعدت العمليات العسكرية للحوثيين في اليمن لتصبح واحدة من أخطر النتائج الإقليمية للحرب الأميركية والإسرائيلية الأخيرة على إيران. فبعد فترة من ضبط النفس، دخلت الجماعة اليمنية بصورة مباشرة في الصراع الأوسع، وسيطرت على مناطق ساحلية وجزر استراتيجية على البحر الأحمر، بما منحها نفوذاً متزايداً على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه إيران وحلفاؤها قادرين على التأثير في ممرين بحريين بالغَي الأهمية؛ باب المندب من جهة، ومضيق هرمز من جهة أخرى. وبينما أدى الصراع مع إيران إلى اضطراب الملاحة في هرمز، سمح تقدم الحوثيين بإضافة نقطة ضغط أخرى على حركة التجارة والطاقة العالمية.

ولم يتوقف التصعيد عند الساحل الغربي. فقد تجدد القتال بين الحوثيين والقوات اليمنية المدعومة من السعودية في المناطق الشرقية الغنية بالنفط، الأمر الذي يهدد بإعادة رسم ميزان القوى داخل اليمن نفسه. فالبلاد التي كانت تعاني أصلاً من حرب طويلة وانقسام سياسي واقتصادي عميق تجد نفسها أمام جولة جديدة من المواجهة.

وكانت الحرب اليمنية قد دخلت خلال السنوات الأخيرة مرحلة من الهدوء النسبي مقارنة بالسنوات الأولى للتدخل العسكري السعودي. إلا أن الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران أعادت إشعال عناصر الصراع التي لم تختفِ فعلياً.

ومن وجهة النظر الحوثية، لا يمكن فصل ما يحدث في اليمن عن الصراع الإقليمي. فالجماعة تنظر إلى نفسها باعتبارها جزءاً من شبكة إقليمية مرتبطة بإيران، وترى أن التطورات العسكرية الأخيرة توفر فرصة لإعادة فرض نفسها لاعباً رئيسياً في المنطقة.

لكن التداعيات تتجاوز الحسابات العسكرية. فقد أدى التصعيد إلى نزوح أكثر من مئة ألف شخص، في وقت لا يزال فيه اليمن من أكثر البلدان تعرضاً للأزمة الإنسانية في العالم. ويعني تجدد القتال أن السكان الذين عانوا سنوات من انهيار الخدمات والاقتصاد يجدون أنفسهم أمام احتمال موجة جديدة من النزوح والدمار.

كما أن الحرب بدأت تضرب سوق الطاقة بصورة مباشرة. فالهجمات على منشآت النفط السعودية وخط الأنابيب الذي يربط المنطقة الشرقية بالساحل الغربي تهدد قدرة المملكة على استخدام البحر الأحمر بديلاً عن مضيق هرمز. ومع تعرض طرق التصدير في الخليج والبحر الأحمر للاضطراب في الوقت نفسه، تزداد احتمالات ارتفاع أسعار النفط العالمية.

وهذه نقطة شديدة الأهمية بالنسبة للسعودية. فقد دخلت الرياض الحرب اليمنية عام 2015 بهدف منع الحوثيين من ترسيخ نفوذهم بالقرب من حدودها الجنوبية. وبعد سنوات من القتال، كانت السعودية قد بدأت البحث عن تسوية سياسية تقلل كلفة الحرب وتتيح لها التركيز على مشاريعها الاقتصادية والتنموية.

أما الآن، فقد أصبحت الرياض أمام معادلة مختلفة. فالعودة إلى حرب واسعة داخل اليمن ستكون مكلفة، لكن السماح للحوثيين بالسيطرة على مناطق جديدة، خصوصاً المواقع القريبة من الممرات البحرية والمنشآت النفطية، يحمل مخاطر استراتيجية كبيرة.

ولهذا طلبت السعودية دعماً عسكرياً أميركياً في مواجهة الحوثيين. إلا أن إدارة ترامب لم تبد حتى الآن استعداداً للانخراط بصورة أعمق في الحرب اليمنية.

وهذا الموقف يكتسب أهمية خاصة في ضوء تجربة الحرب مع إيران. فقد أدت الحملة العسكرية الأميركية إلى نتائج إقليمية واسعة لم تكن محصورة في الأراضي الإيرانية، بل امتدت إلى دول الخليج واليمن وممرات التجارة الدولية.

ومع اتساع الحرب، أصبح من الصعب تحديد حدودها. فكل ضربة على إيران يمكن أن تؤدي إلى رد من حلفائها في المنطقة، وكل هجوم على حليف للولايات المتحدة يمكن أن يدفع واشنطن إلى اتخاذ إجراءات جديدة، بما يؤدي إلى دائرة متواصلة من التصعيد.

وفي اليمن تظهر هذه المشكلة بأوضح صورها. فالولايات المتحدة تستطيع ضرب مواقع الحوثيين، لكنها لا تستطيع بسهولة إنهاء القوة السياسية والعسكرية التي بنتها الجماعة خلال سنوات الحرب. والسعودية تستطيع دعم القوات المناهضة للحوثيين، لكنها لا تستطيع ضمان أن تؤدي المواجهة الجديدة إلى نتيجة حاسمة.

أما الحوثيون، فقد أثبتوا خلال السنوات الماضية قدرتهم على الصمود أمام خصوم يملكون تفوقاً عسكرياً كبيراً. ولذلك فإن محاولة حسم الصراع بالقوة قد تؤدي إلى إطالة الحرب بدلاً من إنهائها.

وتكشف التطورات كذلك أن الحرب مع إيران أعادت إحياء صراعات كان يبدو أنها تتجه نحو التهدئة. فاليمن ليس الحالة الوحيدة؛ إذ إن الشبكات الإقليمية التي تشكلت خلال سنوات من الصراع ما زالت موجودة، ويمكن أن تنشط مجدداً عندما تتغير الظروف.

وهذا يعني أن إنهاء الحرب في إيران، حتى لو حدث اتفاق بين واشنطن وطهران، لن يؤدي بالضرورة إلى إنهاء آثارها في اليمن. فقد اكتسب الحوثيون مصالح وقدرات وموقعاً إقليمياً خاصاً بهم، ولن يكون من السهل إعادتهم إلى الوضع الذي كانوا عليه قبل التصعيد.

أما الولايات المتحدة، فإن استمرارها في التعامل مع المنطقة من خلال القوة العسكرية وحدها قد يزيد المشكلات التي تحاول حلها. فالحرب لا تنتج بالضرورة نظاماً إقليمياً أكثر استقراراً، وقد تدفع خصوم واشنطن إلى توسيع تحالفاتهم وتطوير أدوات جديدة للرد.

اليمن يقدم الآن مثالاً واضحاً على هذه المفارقة: حرب بدأت في ساحة مختلفة تماماً، لكنها أعادت إشعال حرب محلية كانت قد بدأت تهدأ، وهددت أمن السعودية، وضغطت على أسواق الطاقة، وأثرت في حركة التجارة العالمية.

والأخطر أن استمرار هذا المسار قد يجعل البحر الأحمر والخليج مسرحين مترابطين لصراع طويل، بحيث تصبح حماية طرق التجارة مرتبطة مباشرة بنتائج الصراع السياسي والعسكري بين الولايات المتحدة وإيران وحلفائهما.

وفي مثل هذا الوضع، لا تبدو المشكلة قابلة للحل من خلال ضربة عسكرية واحدة. فاليمن يحتاج إلى تسوية سياسية داخلية، والمنطقة تحتاج إلى ترتيبات أمنية أوسع، والقوى الكبرى مطالبة بالتعامل مع جذور الصراع لا مع أعراضه العسكرية فقط.

والدرس الذي يفرض نفسه من التصعيد الأخير هو أن الحروب في الشرق الأوسط نادراً ما تبقى داخل الحدود التي تبدأ فيها. فالصراع مع إيران امتد إلى اليمن، والصراع في اليمن يهدد السعودية والملاحة الدولية، وأمن البحر الأحمر أصبح مرتبطاً مباشرة بأمن الخليج وسوق الطاقة العالمي.

وهكذا أصبح اليمن مرة أخرى ساحة تختبر فيها القوى الإقليمية والدولية حدود قدرتها على استخدام القوة، بينما يتحمل السكان اليمنيون التكلفة الأكبر لتجدد الحرب.

الجارديان البريطانية

اترك تعليقا