هجرة بني منشيه تكشف تواطؤ سياسي بين تل أبيب ونيودلهي
وصول 240 مهاجرًا من شمال شرق الهند إلى إسرائيل ضمن “أجنحة الفجر”
- السيد التيجاني
- 26 أبريل، 2026
- تقارير
- إسرائيل, الهند, تل أبيب, مهاجرين هنود, نيودلهي
يشير وصول مهاجرين من قبيلة بني منشيه إلى إسرائيل إلى ما يراه بعض المحللين جزءًا من مخطط أوسع لإعادة تشكيل التوازن الديموغرافي داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، عبر استقدام جماعات يُعاد تعريف هويتها الدينية بما يخدم السياسات الإسرائيلية. ويذهب عدد من المراقبين إلى أن هذا المسار
لم يكن ليأخذ هذا الزخم لولا وجود تعاون وتسهيلات سياسية ولوجستية من الجانب الهندي في إطار علاقات استراتيجية متنامية بين نيودلهي وتل أبيب.
ويرى هؤلاء أن هذا التقاطع يعكس نوعًا من التواطؤ غير المعلن الذي يربط المصالح الجيوسياسية بالهجرة المنظمة، بما يثير تساؤلات حول الأبعاد الحقيقية لهذه التحركات.
وصول مثير للجدل يعيد فتح ملف الهجرة والهوية
أثار وصول نحو 240 مهاجرًا من قبيلة بني منشيه من شمال شرق الهند إلى إسرائيل عبر مطار بن غوريون، ضمن ما سُمّي بـ“أجنحة الفجر”، جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية.
وتزامن الحدث مع حملات إعلامية ونقاشات على منصات التواصل الاجتماعي، ركزت على أبعاد دينية وسياسية وديموغرافية لهذه الهجرة، إضافة إلى اتهامات متبادلة بشأن أهدافها الحقيقية.
وتقول وزارة الهجرة الإسرائيلية إن العملية تأتي ضمن برنامج منظم لإعادة توطين أفراد من هذه الجماعة التي تعتبرها “جذورًا يهودية مفقودة”، بينما يرى منتقدون أن الأمر يتجاوز البعد الديني ليحمل أهدافًا استراتيجية مرتبطة بالتركيبة السكانية.
أولًا: خلفية تاريخية لمجتمع بني منشيه والهجرة إلى إسرائيل
تُعرف جماعة بني منشيه بأنها مجموعة من سكان ولايتي ميزورام ومانيبور في الهند، يدّعون الانتماء إلى إحدى “القبائل المفقودة” في التاريخ اليهودي. وقد بدأت عمليات هجرتهم المنظمة إلى إسرائيل منذ ثمانينيات القرن الماضي، بعد اعتراف ديني جزئي من قبل السلطات الدينية الإسرائيلية.
بحسب بيانات رسمية إسرائيلية، فإن عملية استقدامهم تتم عبر برامج تدريجية تشمل اختبارات دينية، وتدريبًا على اللغة العبرية، وإجراءات اندماج اجتماعي. وتؤكد السلطات أن الهدف هو “لمّ شمل جماعات يهودية مشتتة حول العالم”.
لكن في المقابل، يشير باحثون في الأنثروبولوجيا الدينية إلى أن هوية هذه الجماعة محل جدل أكاديمي، حيث يرى بعضهم أن اعتناقهم اليهودية حديث نسبيًا مقارنة بالادعاءات التاريخية التي تستند إليها إسرائيل.
ثانيًا: ردود الفعل داخل إسرائيل وخارجها
داخل إسرائيل، رحبت وزارة الهجرة والاستيعاب بوصول الدفعة الجديدة، واعتبرته “خطوة إنسانية واستراتيجية لتعزيز التنوع الاجتماعي”. كما أشارت وسائل إعلام عبرية إلى أن المهاجرين سيُسكنون في مناطق شمالية ضمن برامج اندماج حكومية.
لكن في المقابل، واجهت الخطوة انتقادات داخلية من بعض النشطاء الذين اعتبروا أن التركيز على هجرات محددة يخدم أهدافًا ديموغرافية مرتبطة بتوسيع الاستيطان في بعض المناطق.
دوليًا، لم يصدر موقف رسمي واسع من الأمم المتحدة، إلا أن منظمات حقوقية أشارت إلى ضرورة مراجعة سياسات الهجرة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خصوصًا في ظل استمرار التوترات.
ويقول الخبير في القانون الدولي “جوناثان ميلر” إن “سياسات الهجرة المرتبطة بالهوية الدينية في مناطق نزاع حساسة غالبًا ما تثير أسئلة حول التوازن الديموغرافي وحقوق السكان الأصليين”.
ثالثًا: الجدل السياسي والإقليمي ودور الهند
أثارت العملية أيضًا نقاشًا في الهند، حيث ربط بعض المعلقين بين الهجرة المتزايدة من شمال شرق البلاد والعلاقات الوثيقة بين نيودلهي وتل أبيب في السنوات الأخيرة.
ويرى محللون هنود أن العلاقات بين البلدين شهدت تطورًا كبيرًا في مجالات الأمن والتكنولوجيا والزراعة، خصوصًا خلال فترة حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، وهو ما عزز التعاون الدبلوماسي والاقتصادي.
لكن في المقابل، نفت مصادر حكومية هندية وجود أي علاقة سياسية مباشرة بملف هجرة بني منشيه، مؤكدة أن الأمر يندرج ضمن اتفاقات ثنائية إنسانية ودينية.
ويقول الباحث في العلاقات الدولية “راجيف كومار” إن “الربط بين سياسة الدولة الهندية وهذه الهجرات يُستخدم أحيانًا بشكل سياسي في الخطاب الإعلامي، رغم عدم وجود أدلة رسمية على توجيه مباشر”.
رابعًا: قراءات الخبراء والتوقعات المستقبلية
يرى الخبير الإسرائيلي في السياسات السكانية “دانيال فريدمان” أن استمرار هذه الهجرة يعكس “استراتيجية طويلة الأمد لتعزيز الروابط مع الجاليات التي تُعتبر ذات أصول يهودية”، مشيرًا إلى أن العدد المستهدف قد يصل إلى آلاف خلال السنوات المقبلة.
في المقابل، تعتبر الباحثة في شؤون الشرق الأوسط “ليزا هاربر” أن “توظيف ملف الهجرة في بيئة صراع سياسي معقد قد يزيد من حدة التوتر الإقليمي بدلًا من تخفيفه”، خصوصًا إذا ارتبط بتغيرات ديموغرافية في مناطق متنازع عليها.
أما على المستوى الإقليمي، فتشير مراكز بحث عربية إلى أن مثل هذه الخطوات تُنظر إليها في سياق أوسع يتعلق بسياسات الاستيطان والهجرة داخل الأراضي الفلسطينية، ما يجعلها موضوعًا حساسًا في الخطاب السياسي والإعلامي.
بين الهوية والسياسة
يبقى ملف هجرة بني منشيه من الهند إلى إسرائيل مثالًا على تداخل الدين بالسياسة والديموغرافيا، حيث تتقاطع الروايات الدينية مع الحسابات الاستراتيجية للدولة.
وبينما تصر إسرائيل على أن البرنامج إنساني وديني في جوهره، يرى منتقدون أنه يحمل أبعادًا سياسية أوسع، خاصة في ظل التوترات المستمرة في المنطقة.
وفي ظل غياب توافق دولي واضح حول هذه السياسات، من المرجح أن يستمر الجدل حول هذه الهجرات، ليس فقط كقضية إنسانية، بل كجزء من صراع أوسع على الهوية والنفوذ في الشرق الأوسط.