هجرة العلماء المسلمين بين النزيف والاستثمار

هجرة الكفاءات الإسلامية وآليات التحول نحو الاستثمار المعرفي

الرائد/  لم تكن العقول يوماً مجرد أرقام في سجلات الديموغرافيا، بل هي رأس المال الحقيقي الثابت، ومحور ارتكاز الحضارات في صعودها وهبوطها. وفي عالمٍ متسارع لا يعترف إلا بالقوة المعرفية، تعيش الأمة الإسلامية مفارقة موجعة؛ فبينما تفيض جغرافيتها بالطاقات والكفاءات الاستثنائية، تضيق بها بيئاتها المحلية، لتتحول “هجرة العقول” من مجرد خيار شخصي إلى ظاهرة بنيوية نازفة تستنزف نخاع الأمة الفكري لصالح مجتمعات غربية ومتقدمة أحسنت احتضانها ووفرت لها مناخات الإبداع.

إن هذا التدفق المستمر للعلماء والباحثين المسلمين يمثل، من جهة، “نزيفاً حاداً” يهدد بجهض مشاريع التنمية المستدامة ويعمق الفجوة العلمية بيننا وبين العالم. ولكن، على الجانب الآخر من هذه المعادلة المعقدة، تبرز رؤية معاصرة تدعو إلى تفكيك هذه الأزمة وتحويلها إلى فرصة؛ فالهجرة لم تعد بالضرورة غياباً أبدياً، بل يمكن أن تتحول إلى “استثمار استراتيجي” بعيد المدى، من خلال بناء جسور التواصل المعرفي، واستقطاب الخبرات المهاجرة للمساهمة في النهضة المحلية عن بُعد، وتحويل “الهجرة” من خسارة مطلقة إلى شراكة تنموية عابرة للحدود. فكيف تلاشت البيئة الجاذبة في أوطاننا؟ وكيف نجعل من هذا الاغتراب الفكري استثماراً يحيي الأمة بدلاً من نزيفٍ ينهك جسدها؟

وتكشف التجارب الدولية أن هجرة العلماء ليست دائمًا خسارة نهائية. فقد استطاعت دول مثل كوريا الجنوبية والهند والصين الاستفادة من باحثيها في الخارج عبر إنشاء شبكات تعاون وتمويل مختبرات مشتركة وبرامج للأساتذة الزائرين، الأمر الذي أسهم في نقل المعرفة والتقنيات الحديثة حتى قبل عودة كثير من الباحثين إلى أوطانهم.

وفي العالم العربي والإسلامي، تعود فكرة “الشبكة العلمية المفتوحة” إلى قرون طويلة. فقد انتقل العلماء بين بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة وفاس وسمرقند وبخارى دون أن تعوقهم الحدود السياسية، وشكلت الرحلة في طلب العلم إحدى سمات الحضارة الإسلامية. فالإمام البخاري جمع صحيحه بعد رحلات واسعة، وتنقل ابن سينا بين مدن عدة، كما انتقل ابن خلدون بين المغرب والأندلس ومصر، وأسهم هذا الحراك في نقل المناهج والأفكار وبناء مدرسة علمية مشتركة امتدت من آسيا الوسطى إلى شمال إفريقيا.

ويرى مؤرخ العلوم الأمريكي جورج صليبا أن قوة الحضارة الإسلامية لم تكن في كثرة العلماء فحسب، بل في كثافة التواصل بينهم، وانتقال الكتب والطلاب والأساتذة بصورة مستمرة، وهو ما أدى إلى تراكم المعرفة وظهور مراكز علمية متعددة بدلًا من احتكارها في مدينة واحدة.

وخلال الأسابيع الأخيرة، عززت اليونسكو توجهها نحو توسيع الشراكات العلمية الدولية بإطلاق منصة مفتوحة للعلوم، كما أعلنت عن قيادة برامج جديدة لتعزيز الدبلوماسية العلمية والشراكات بين مختلف الأقاليم، بما فيها الدول العربية، في إطار بناء منظومة علمية أكثر انفتاحًا.

وفي الوقت نفسه، شهدت المنطقة مبادرات علمية جديدة، من بينها استمرار برامج المنح البحثية التعاونية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الهادفة إلى تمويل مشروعات مشتركة بين الجامعات والباحثين في عدد من الدول العربية، بما يعزز التعاون الإقليمي في مجالات العلوم التطبيقية.

ويؤكد الخبير الباكستاني الراحل عبد السلام، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء، أن تقدم الدول الإسلامية لن يتحقق إلا إذا أصبح التعاون العلمي جزءًا من سياساتها الإستراتيجية، وقد كان من أبرز الداعين إلى إنشاء مختبرات علمية إقليمية مشتركة. وقد تجسدت هذه الفكرة لاحقًا في إنشاء مشروع سيسام SESAME في الأردن، الذي يعمل تحت مظلة اليونسكو ويجمع علماء من دول مختلفة في الشرق الأوسط لإجراء أبحاث متقدمة في الفيزياء والكيمياء والأحياء وعلوم المواد، ويُعد أحد أبرز نماذج الدبلوماسية العلمية في المنطقة.

ويرى عدد من خبراء سياسات العلوم أن الخطوة التالية ينبغي أن تتمثل في إنشاء قاعدة بيانات عربية وإسلامية موحدة للباحثين العاملين في الخارج، وربطها بالجامعات ومراكز الأبحاث، وتوفير منح مشتركة للإشراف على رسائل الدراسات العليا، وتمويل المشروعات البحثية العابرة للحدود، وإنشاء برامج دائمة للأساتذة الزائرين.

كما يدعو متخصصون إلى توسيع دور القطاع الخاص في تمويل الأبحاث التطبيقية، وربط العلماء المهاجرين بالشركات الناشئة، ومراكز الابتكار، والصناعات الوطنية، بما يسهم في نقل الخبرات المتقدمة إلى الداخل بدل الاكتفاء بمتابعة إنجازاتهم في الخارج.

غير أن هذا المسار يواجه تحديات، من بينها ضعف الإنفاق على البحث العلمي في عدد من الدول، وغياب قواعد بيانات محدثة للكفاءات، وتعقيد الإجراءات الإدارية، وعدم استقرار التمويل طويل الأجل، فضلًا عن التفاوت الكبير بين الجامعات في الإمكانات البحثية.

ويتوقع باحثون في سياسات العلوم أن تتوسع شبكات التعاون العلمي خلال العقد المقبل مع انتشار المختبرات الافتراضية، والذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية المفتوحة، وهو ما قد يقلل من أثر البعد الجغرافي، ويجعل مساهمة العلماء المهاجرين في التنمية أكثر سهولة واستمرارية.

إن العقول العربية والإسلامية العاملة في الخارج ليست موردًا مفقودًا بالضرورة، بل يمكن أن تتحول إلى قوة علمية ناعمة إذا توفرت رؤية مؤسسية طويلة المدى، تستند إلى التعاون الدولي، والاستثمار في البحث العلمي، وبناء جسور دائمة بين الجامعات والمراكز البحثية داخل المنطقة وخارجها.

المصادر:

منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة UNESCO، منصة UNESCO Open Science، مشروع UNESCO للدبلوماسية العلمية، برنامج GTCR-MENA للمنح البحثية، مشروع SESAME بالأردن، مؤلفات جورج صليبا، كتابات عبد السلام حول التعاون العلمي، المجلس الدولي للعلوم ISC.

اترك تعليقا