هآرتس: إسرائيل “مجتمع خائف”
جدلا واسعا بالداخل الإسرائيلي حول سياسات الحكومة
- السيد التيجاني
- 11 نوفمبر، 2025
- تقارير
- إسرائيل, المجتمع المدني, نتنياهو
قال رون دِرمر، وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي المقرب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إن إسرائيل لم تعد المجتمع الحر الذي عُرفت به لعقود، بل بدأت تتحول تدريجيًا إلى “مجتمع خائف”.
جاءت تصريحاته في وقت يشهد فيه الداخل الإسرائيلي جدلاً واسعًا حول سياسات الحكومة الحالية، وخصوصًا الإصلاحات القضائية المثيرة للجدل، والتعامل مع الاحتجاجات الشعبية، والتوترات الأمنية المستمرة على الحدود بحسب صحيفة هآرتس.
دِرمر أشار إلى أن الصورة التقليدية لإسرائيل كمنارة للحرية والديمقراطية بدأت تتلاشى، وأن القيم الديمقراطية والليبرالية التي أشاد بها نتنياهو سابقًا باتت تواجه ضغوطًا كبيرة، سواء من السياسات الداخلية أو الأزمة الأمنية المتكررة مع غزة.
خبير سياسي إسرائيلي: يرى أن تصريحات دِرمر تعكس انقسامًا داخليًا حادًا بين النخبة السياسية، وأن الحكومة تواجه تحديًا حقيقيًا في الحفاظ على صورة الديمقراطية الإسرائيلية أمام مواطنيها والمجتمع الدولي.
خبير في الحريات المدنية: يشير إلى أن “الخوف الاجتماعي” يمكن أن يؤدي إلى تراجع حاد في المشاركة المدنية وحرية التعبير، ما قد يُضعف الرقابة على السلطات ويزيد الاحتقان الشعبي.
خبير أمني: يوضح أن الأزمات الأمنية، خصوصًا الصراعات المستمرة مع حماس والفصائل الفلسطينية، تلعب دورًا في تعزيز شعور الخوف، لكن يجب الفصل بين المخاطر الأمنية والحريات المدنية لضمان استقرار النظام الديمقراطي.
لكن تصريحات رون ديرمر، وزير الشؤون الاستراتيجية والمقرب من نتنياهو، قلبت الصورة. فقد قال صراحةً إن إسرائيل لم تعد مجتمعاً حراً، بل مجتمعاً خائفاً.
هذا التحول ليس مجرد انطباع شخصي، بل يعكس تغيرات هيكلية داخل المؤسسات والمجتمع الإسرائيلي، وسط أزمات سياسية وقضائية وأمنية مستمرة.
البيانات تشير إلى انخفاض حاد في الثقة بالبرلمان والحكومة. بحسب دراسة حديثة لمؤسسة Israel Democracy Institute، يشعر 58% من الإسرائيليين بأن الديمقراطية مهددة. كما قللت مؤسسة Freedom House من تقييم إسرائيل، مشيرة إلى أن الإصلاحات القضائية قد تُضعف الحريات المدنية.
تصريحات ديرمر تشكّل جرس إنذار حول التحوّلات العميقة في طبيعة المجتمع الإسرائيلي، وما إذا كانت الدولة قادرة على الحفاظ على الديمقراطية الليبرالية التي كانت شعارها منذ نشأتها.
التحول من حرية إلى خوف
الشعور العام في إسرائيل تغيّر. المواطنون أصبحوا أكثر حذرًا، يخشون التعبير عن آرائهم خوفًا من ردود فعل سياسية أو اجتماعية.
الخوف هنا ليس من التهديدات الخارجية فقط، بل من الداخل. من الحكومة، من المجتمع، ومن المستقبل المجهول.
هذا الشعور ينعكس على الحياة اليومية والسياسية، إذ يصبح النقاش العام أقل جرأة، وتقلّ المبادرات المجتمعية، ويشعر الناس بأن الخطوط الحمراء السياسية قد تغيّرت.
دراسة Pew Research أظهرت أن 28% فقط من الإسرائيليين يرون أن هناك صراعات “قوية جداً” بين اليهود والعرب مقارنةً بـ46% قبل عام، مما يشير إلى تغيّر في نوع الانقسامات وليس اختفائها.
هذا التغير النفسي والسياسي يعكس واقعًا مقلقًا: خوف المواطنين قد يحوّل المجتمع من مشارك فعّال إلى متردد وقلق.
ضعف المؤسسات والانقسام الداخلي
إصلاحات القضاء أثارت جدلاً واسعًا، واعتبرها كثيرون محاولة لتقليص سلطة الرقابة القضائية على الحكومة.
الثقة في البرلمان والمؤسسات الرسمية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، وفق استطلاعات الرأي الحديثة.
الانقسامات الاجتماعية الداخلية أصبحت تهديدًا أكبر من التهديدات الخارجية. استطلاع أجرته The Times of Israel وجد أن 62% من الإسرائيليين يرون أن الانقسامات الداخلية أخطر من الأعداء الخارجيين.
هذا الانقسام يشمل الخلافات بين اليهود والعرب، بين اليسار واليمين، وبين العلمانيين والمتدينين. كل هذه الانقسامات تجعل من الصعب الحفاظ على هوية إسرائيل كدولة “يهودية وديمقراطية”، وتضعف قدرتها على التوافق الداخلي حول أولوياتها الاستراتيجية.
أستاذ العلوم السياسية الإسرائيلي شاؤول بيركوفسكي يرى أن “التهديد الأكبر لإسرائيل ليس خارجياً، بل داخلياً، حيث الانقسامات الاجتماعية والسياسية تهدد القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة”.
دلالات على خضوع للتغييرات
تصريحات ديرمر تكشف أن الدولة نفسها تحت ضغط داخلي متزايد.
المواطن الخائف يتردد في التعبير والمبادرة، والمؤسسات قد لا تعمل بكامل استقلاليتها.
تحذير مقرب من نتنياهو يعني أن النخبة الحاكمة ترى حجم الخطر، وأن الدولة قد تفقد القدرة على قيادة المجتمع بفعالية.
خبراء يصفون هذا الوضع بأنه انزلاق نحو “ديمقراطية انتخابية”، حيث تُجرى الانتخابات لكن الحريات المدنية تتراجع، والمجتمع المدني يفقد فعاليته وتأثيره.
رون ديرمر حذر سابقاً من تأثير المحكمة الجنائية الدولية على إسرائيل، وربطه بتقويض الديمقراطية. تصريحاته تمثل قراءة داخلية وتحذيراً مبطناً للنخبة السياسية من الانحدار الداخلي.
تصريحات قيادية مماثلة
رئيسة المحكمة العليا السابقة، إستر هايوت، قالت إن الإصلاح القضائي المقترح يشكل “ضربة قاتلة للديمقراطية”.
وزير العدل ياريف ليفين دعم تغييرات تمنح البرلمان دورًا أكبر في تعيين القضاة، ما أثار مخاوف من تراجع استقلالية القضاء.
رون ديرمر كتب في مقال رأي بأن “التخلص من أوهام الدولتين مع الفلسطينيين” ضروري، وأن إسرائيل بحاجة لرؤية أكثر واقعية، مما يعكس تركيز النخبة على قضايا الأمن والهويات الداخلية أكثر من الالتزام بالقيم الديمقراطية الليبرالية.
هذه التصريحات تشير إلى أن النخبة السياسية ترى أن المؤسسات الإسرائيلية تواجه اختباراً، وأن التهديد الأكبر ليس الخارجياً فقط، بل داخلياً أيضاً.
ماذا يعني ذلك عمليًا؟
تراجع مساحة المعارضة والتعبير الحرّ في المجتمع.
زيادة دور الأجهزة الأمنية والمراقبة، حيث يصبح الخوف جزءاً من الحياة اليومية.
ضعف قدرة إسرائيل على التعامل مع الأزمات الداخلية والخارجية بسبب فقدان التماسك الاجتماعي.
استمرار الانقسامات الداخلية وتعميقها، ما يضعف الشرعية الداخلية والخارجية للدولة.
النتيجة المحتملة هي مجتمع يُرغم على الامتثال والخضوع للتغييرات السياسية، بدلاً من المشاركة الحرة في تشكيل مستقبله.
تصريحات ديرمر ليست مجرد كلمات عابرة، بل تعكس تحولات عميقة في السياسة والمجتمع الإسرائيلي.
المواطنون يشعرون بالخوف، المؤسسات الرسمية تواجه ضغوطاً، والانقسامات الداخلية تهدد القدرة على الحفاظ على الديمقراطية.
إسرائيل اليوم أمام مفترق طرق: إما إعادة بناء الديمقراطية والمؤسسات لتكون أكثر شفافية واستقلالية، أو الاستمرار في الانحدار نحو مجتمع يخشى التعبير والمساءلة، مما يضعف الحريات وشرعية الدولة داخلياً وخارجياً.