نيجيريا تحرك ملف المعادن إلى صدارة الأجندة الاقتصادية الأفريقية
فرصة لإعادة التفاوض على موقع القارة في الاقتصاد العالمي
- dr-naga
- 24 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- أفريقيا, الأجندة الاقتصادية الأفريقية, تصنيع ثرواتها المعدنية, نيجيريا
الرائد// تتحرك نيجيريا لدفع ملف المعادن الحيوية إلى صدارة الأجندة الاقتصادية الأفريقية، في محاولة لتغيير نموذج اقتصادي قديم يقوم على استخراج الموارد وتصديرها خاماً، بينما تتم عمليات التكرير والتصنيع وتحقيق الجزء الأكبر من القيمة المضافة خارج القارة.
وجدد الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو في 23 يونيو 2026 دعوته الدول الأفريقية إلى العمل بصورة جماعية لإنهاء استغلال الموارد المعدنية للقارة، مؤكداً ضرورة زيادة التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا وتطوير سلاسل القيمة داخل أفريقيا. وجاءت الدعوة خلال استقباله وفداً من مجموعة استراتيجية المعادن الأفريقية في أبوجا.
وقالت الرئاسة النيجيرية إن تينوبو شدد على أن أفريقيا تمتلك ثروة معدنية ضخمة يمكن استخدامها لدفع التصنيع وخلق فرص العمل وتسريع التحول الاقتصادي، داعياً إلى الانتقال من تصدير المعادن الخام إلى نموذج يعتمد على المعالجة المحلية والاستفادة من التكنولوجيا والاستثمار في الصناعات المرتبطة بالموارد الطبيعية.
وفي 24 يونيو، أكدت تقارير نيجيرية أن الرئيس دعا الدول الأفريقية إلى تعزيز قدرتها التفاوضية في سوق المعادن العالمية، وعدم الاكتفاء بتصدير المواد الخام دون تحقيق فوائد اقتصادية وصناعية كبيرة داخل القارة. كما دعا إلى زيادة الاستثمار في البحث والتطوير وقدرات التكرير والتكنولوجيا.
ولا يأتي هذا التحرك في فراغ. ففي 30 يونيو 2026 أعلنت منظمة «الطاقة المستدامة للجميع» تسلم نيجيريا تقريراً حول المعادن الحيوية يهدف إلى دعم التصنيع الأخضر، وربط الموارد المعدنية بالتنمية الصناعية والطاقة النظيفة.
وتكتسب هذه السياسة أهمية مع ارتفاع الطلب العالمي على المعادن المستخدمة في البطاريات والطاقة المتجددة والصناعات التكنولوجية. وكانت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية قد أشارت في تقريرها الصادر في 11 يونيو 2026 إلى أن الطلب على الليثيوم قد يرتفع بنسبة 353 بالمئة بين عامي 2024 و2040، بينما يتوقع ارتفاع الطلب على الغرافيت بنسبة 131 بالمئة خلال الفترة نفسها.
وهذا التحول يمنح أفريقيا فرصة اقتصادية كبيرة، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن مشكلة هيكلية. فامتلاك الاحتياطيات المعدنية لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تحويلها إلى صناعات محلية. فالمعالجة والتكرير تحتاج إلى كهرباء مستقرة، وبنية نقل وموانئ، وتمويل طويل الأجل، ومهارات تقنية، وتشريعات واضحة، إضافة إلى مؤسسات قادرة على مراقبة الشركات والعقود.
وتبرز هنا قضية الحوكمة. فزيادة الاستثمارات في قطاع التعدين لا تضمن تلقائياً استفادة السكان المحليين من الثروة. وفي الدول التي تعاني ضعف المؤسسات، يمكن أن تتحول الطفرة المعدنية إلى مصدر للمحسوبية أو الفساد أو النزاعات على الأراضي، إذا لم ترافقها شفافية في منح التراخيص والعقود وتحصيل الإيرادات ومراقبة الشركات.
ولهذا فإن التحدي أمام نيجيريا لا يقتصر على جذب المستثمرين. فالمطلوب هو التأكد من أن الاستثمار في الليثيوم والمعادن الأخرى يقود إلى مصانع وفرص عمل ونقل للتكنولوجيا، وليس إلى نسخة جديدة من نموذج تصدير النفط الخام، حيث تخرج المادة الأولية من البلاد ثم تعود إليها في صورة منتجات مرتفعة الثمن.
ويبدو أن أبوجا تريد تحويل هذه القضية من سياسة وطنية إلى مشروع أفريقي مشترك. ففي 23 أغسطس 2026 أعلنت مجموعة استراتيجية المعادن الأفريقية أن الرئيس تينوبو سيترأس في نيويورك يوم 21 سبتمبر المقبل اجتماعها الثالث رفيع المستوى بشأن تطوير المعادن الحيوية في أفريقيا. وسيعقد الاجتماع على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
ويحمل الاجتماع عنوان «من الموارد إلى الثروة: التعاون القاري من أجل إضافة القيمة المعدنية»، ومن المنتظر أن يجمع مسؤولين أفارقة ومستثمرين ومؤسسات تمويل تنموي وشركات تعمل في التعدين والتكنولوجيا والمعالجة والخدمات اللوجستية. وتركز المبادرة على زيادة المعالجة والتصنيع داخل أفريقيا وتعزيز قدرة الدول الأفريقية على التفاوض في سلاسل الإمداد العالمية.
وتضم مجموعة استراتيجية المعادن الأفريقية أكثر من 30 دولة أفريقية، ويترأس وزير تنمية المعادن الصلبة النيجيري ديلي ألاكي المجموعة، فيما يتولى تينوبو رئاسة جمعيتها العامة.
وتأتي هذه الخطوة في توقيت تتزايد فيه المنافسة العالمية على المعادن الحيوية، بعدما أصبحت عناصر مثل الليثيوم والنحاس والكوبالت والغرافيت والمنغنيز والعناصر الأرضية النادرة مرتبطة بصورة مباشرة بصناعات السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والتقنيات المتقدمة والبنية التحتية الرقمية وحتى الصناعات الدفاعية.
لكن نجاح المبادرة الأفريقية سيعتمد على ما إذا كانت الحكومات ستتمكن من تحويل هذه الموارد إلى قيمة اقتصادية حقيقية. فالمؤشر الأهم لن يكون عدد اتفاقيات التعدين الجديدة، وإنما حجم ما يبقى داخل أفريقيا من عمليات التكرير والتصنيع، وعدد الوظائف التي تُخلق، وحجم التكنولوجيا التي تنتقل إلى الشركات المحلية، ومدى استفادة المجتمعات التي توجد فيها المناجم.
وبالنسبة إلى نيجيريا، يمثل الملف جزءاً من محاولة أوسع لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط. أما بالنسبة إلى أفريقيا، فقد يكون ملف المعادن الحيوية فرصة لإعادة التفاوض على موقع القارة في الاقتصاد العالمي، بحيث لا تبقى مجرد مورد للمواد الأولية، بل تصبح شريكاً في مراحل التصنيع الأكثر ربحية.
غير أن تحقيق ذلك يتطلب أكثر من الخطابات والمؤتمرات. فالنجاح سيحتاج إلى تنسيق أفريقي حقيقي، وقواعد شفافة للتعدين، واستثمارات في الطاقة والبنية التحتية والتعليم الفني، وآليات صارمة لمكافحة الفساد وضمان نصيب عادل للمجتمعات المحلية. وإذا لم تتحقق هذه الشروط، فقد تستمر القارة في تصدير ثرواتها المعدنية، بينما يظل الجزء الأكبر من القيمة الاقتصادية المتولدة عنها خارجها.