نزوح وتصاعد معارك يفاقمان مأساة كردفان السودانية

وسط تصاعد المعارك

تفاقمت الأوضاع الإنسانية في منطقة كردفان الوسطى، حيث فرّ أكثر من 36 ألف مدني من بلدات وقرى شمال كردفان خلال أيام قليلة، بحسب الأمم المتحدة. المنطقة أصبحت ساحة جديدة للقتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، بعد أن كانت دارفور مركز الصراع الرئيس طوال العامين الماضيين.

وتُعد كردفان موقعًا استراتيجيًا يفصل دارفور عن العاصمة الخرطوم، مما يجعلها محورًا رئيسيًا في موازين الحرب.

صراع على السيطرة ومخاوف مدنية

مع إعلان قوات الدعم السريع سيطرتها على مدينة بارا شمال الأبيض، ارتفعت وتيرة التحركات العسكرية في المنطقة، وسط خوف واسع بين السكان من اشتباكات جديدة. يقول سكان محليون إن مركبات القوات شبه العسكرية تنتشر بكثافة في الغرب والجنوب.

بينما عزز الجيش وجوده في مواقع عدة حول الأبيض. وتؤكد شهادات ميدانية توقف المزارعين عن الذهاب إلى حقولهم خوفًا من تبادل إطلاق النار.

نزاع تغذّيه الثروات والذهب

يرى مراقبون أن الصراع في كردفان ودارفور يتجاوز البعد العسكري ليشمل سباقًا للسيطرة على الموارد، خصوصًا مناجم الذهب في جبل عامر. هذه المناجم تُعد مصدر تمويل رئيسي لقوات الدعم السريع، التي استغلتها لتأمين موارد مالية واستقلال عسكري.

وتشير تقارير دولية إلى أن جزءًا كبيرًا من الذهب السوداني يُهرَّب إلى الخارج ويُباع في الأسواق الإماراتية، مما يربط الحرب مباشرة بالمصالح الاقتصادية.

اتهامات للإمارات ودلالات الصراع الإقليمي

اتهمت الحكومة السودانية الإمارات بدعم قوات الدعم السريع ماليًا ولوجستيًا، قبل أن تعلن قطع العلاقات معها في منتصف عام 2025.

ورغم نفي أبوظبي لهذه الاتهامات، فإن استمرار تدفق الذهب السوداني إلى أسواقها يثير شكوكًا حول دورها في تمويل الحرب بشكل غير مباشر. ويرى محللون أن هذا الدعم – سواء كان معلنًا أو ضمنيًا  يُكرّس فكرة أن الحرب في السودان ليست داخلية فحسب، بل تتشابك مع شبكة مصالح إقليمية أوسع تسعى للهيمنة على موارد البلاد.

دمار بلا هدف وسقوط مدنيين

تؤكد الأمم المتحدة أن أكثر من خمسين مدنيًا، بينهم متطوعون في الهلال الأحمر، قُتلوا مؤخرًا في شمال كردفان، وسط تحذيرات من تكرار سيناريو دارفور من فظائع وجرائم حرب.

يقول ناشطون حقوقيون إن ما يجري ليس مجرد معركة عسكرية، بل حرب موارد تُدار على حساب حياة الأبرياء. ومع غياب الضغط الدولي الفعّال، يستمر النزاع في تمزيق السودان، تاركًا وراءه بلدًا ينهشه الجوع والنزوح، وثروات تُستغل لصالح قوى إقليمية تبحث عن النفوذ لا السلام.

آراء سياسية وحقوقية

يشير محللون سياسيون إلى أن النزاع في كردفان تحول من صراع عسكري داخلي إلى حرب على النفوذ والموارد الاقتصادية، خاصة مناجم الذهب وطرق التجارة. ويرى حقوقيون أن المدنيين يدفعون الثمن الأكبر، مع استمرار الانتهاكات مثل القتل والتعذيب والتهجير القسري.

منظمات حقوق الإنسان مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية أكدت أن كلا من الجيش وقوات الدعم السريع مسؤولان عن جرائم حرب. وحذرت من أن إفلات الجناة من العقاب سيكرر مأساة دارفور ويضاعف المعاناة الإنسانية في السودان.

ردود فعل عربية

الجامعة العربية أبدت قلقها من تصاعد النزاع ودعت إلى الحوار ووقف إطلاق النار، دون خطوات عملية ملموسة. مصر أعربت عن دعمها لوحدة السودان وسلامة أراضيه، لكنها تحركت بحذر لتجنب المواجهة المباشرة مع الأطراف المتحاربة.

الإمارات نفت تورطها في دعم قوات الدعم السريع، رغم تقارير تربطها بتهريب الذهب من مناجم جبل عامر، بينما دعت السعودية وقطر إلى استئناف المفاوضات، لكنها لم تتمكن من تحقيق تقدم بسبب ضعف الثقة بين الأطراف.

ردود فعل دولية

حذرت الأمم المتحدة من تفاقم أزمة النزوح والجوع في السودان، ودعا الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على قادة قوات الدعم السريع. الولايات المتحدة اعتبرت عناصر هذه القوات مرتكبين “جرائم إبادة جماعية” في دارفور، لكنها اقتصرت على الإدانات دون إجراءات ملموسة.

الاتحاد الأفريقي دعا إلى قمة طارئة لإعادة إطلاق عملية سلام شاملة، مشيراً إلى أن استمرار القتال في كردفان يهدد أمن المنطقة بأكملها من تشاد إلى جنوب السودان.

خلاصة المشهد الدولي

يُجمع المراقبون على أن الحرب في السودان لم تعد نزاعاً محلياً فقط، بل صراع إقليمي على النفوذ والموارد. ومع ضعف التدخل الدولي وتضارب المواقف العربية، يبقى المدنيون يدفعون الثمن الأكبر، فيما تستمر ثروات البلاد، خاصة الذهب، في تغذية العنف بدلاً من إعادة الإعمار والسلام.