نخب الأمة ومرحلة ما بعد الجماعات!
عبد الله نصر يكتب
- dr-naga
- 9 ديسمبر، 2025
- رأي وتحليلات
- الأمة, الواجب الشرعي, عبد الله نصر
قلت لأحد المفكرين: من تأمل مشهد الأمة الدعوي والفكري والتحديات الضخام التي تواجها، يجد بوضوح أن الساحة تكاد تخلو من ردود فعل مؤثرة أمام ما يُحاك للمنطقة من مشاريع كبرى تستهدف دين الأمة ووعيها واهتماماتها ومقدراتها بل وحتى وجودها. ويجد بجلاء أن كثيرا من الكيانات الدعوية باتت منشغلة بترميم بيتها وإصلاح شؤونها الداخلية، وغارقة في صراعات قياداتها التنظيمية ومناكفات أبنائها التي لا تنتهي، بعيدًا عن البناء والتربية ومجابهة الأخطار الاستراتيجية التي تُراد لهذه الأمة.
فأجابني: يُخيَّل إليَّ أنك لا تزال تنظر بعيني الأمس، بينما الأمة تُدفع دفعًا إلى مرحلة ما بعد الجماعات.
ولك أن تعلم بأن ما نشهده اليوم من ضعف في تأثير تلك الكيانات في ساحات المدافعة ليس إلا ظلالًا لهياكل تنظيمية باهتة، بقيت قائمة برموزها وتاريخ إنجازاتها لا بالأدوار التي تقوم بها الآن، وبالشعارات الجوفاء لا بالفاعلية، وأن حالها يشبه تماما حال الجن في زمن نبي الله سليمان عليه السلام والذين ظلوا مستمرين في أداء أعمالهم الشاقة بعد وفاة سليمان عليه السلام، بسبب ظنهم أنه عليه السلام ما يزال حيًا، وما علموا أنه قد قضى نحبه إلا حين نخرت دابة الأرض منسأته فسقط.
وهكذا هو حال قطاع واسع من أبناء الدعوة: حين يرون الهياكل التنظيمية وأنها ما تزال قائمة، فيتوهمون أن الروح ما تزال تسري فيها والفاعلية تملأ جنباتها، وأنها ما تزال قادرة على القيادة والتخطيط والإعداد والعمل والمواجهة . وما دروا أن كثيرًا منها قد أدى دوره المحمود في ما مضى، فاستُنزفت طاقته، وذبلت وظيفته، وبات يعيش في مرحلة لم تعد مرحلته، حتى غدا كثير منها مجرد آثار تُذكّر بمرحلة مضت، أكثر من كونها تمثل قوة حاضرة أو مشروع بناء وأداة دفع لتحقيق إصلاح مستقبلي منشود.
وعليه، فالرشيد من نخب الأمة وعقلائها في أوقاتنا من أدرك حقيقة الواقع الدعوي الذي تمر به جماعات الدعوة وكثير من مؤسساتها في هذه المرحلة، وفهم أن الدعوة اليوم تعيش فراغًا انتقاليًا بين عهدين: عهد الجماعات الذي شارف على نهايته، وعهد جديد لم تتبلور معالمه بعد. وفي هذا الفراغ تكمن الخطورة، فالأعداء يدركون الحقيقة كما هي، وهم لا ينتظرون، ولذا نجد مكايدهم تشتد ومشاريعهم الهادمة تتعاظم، وفي الواقع نجد مساحات التأثير تتجه إلى من يملأها لا إلى من من المفترض أن يقوم بها وإن توانى.
ومن هنا فإن الواجب الشرعي والتاريخي اليوم لا يقع على عاتق ما تبقى من تلك الكيانات المتعبة وحدها، بل بالأصالة على العلماء الراسخين، والمفكرين الأحرار، والدعاة الواعين، والمربين المخلصين، وكل حملة همّ إصلاح حال الأمة والرقي بها؛ فهم وحدهم من يدرك أن المستقبل لا يُنتظر بل يُصنع، وأن تشكلها الجديد لا يُمنح بل يُنتزع بالوعي والتخطيط والمبادرة والثبات المتجدد.
فالمرحلة وسيطة دقيقة، وحساسة خطيرة، ومفتوحة على كل الاحتمالات. وهي بلا شك مرحلة تحتاج إلى من يخطط، ويقترح، ويحرك، ويؤثر، ويستنهض، ويبادر… لا إلى من ينتظر تعليمات من هياكل لم يعد كثير منها قادرا على إعطاء شيء.
ولأهل السبق في مثل هذه اللحظات المفصلية منزلة لا يدركها المتأخرون؛ فهذا زمن الرجال المبادرون الذين يرفعون الوعي هنا، ويضيئون الطريق هناك، ويزرعون الأمل ويشجعون على العمل وسد فراغات الأمة الفسيحة في كل مكان، ويمهدون لولادة مرحلة جديدة للدعوة والعمل الإصلاحي في الأمة.
ومن فهم طبيعة التحولات التي تمر بها الأمة علم أن غدها يُكتب اليوم، فعلى من أراد أن يكون جزءًا من تشكيل مستقبلها أن يكون جزءًا من صناعته في هذا اللحظات الفارقة.
والله الهادي.