نتنياهو يوسع السيطرة على غزة وسط تحذيرات دولية

الخطوة قد تدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة

أثار إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عزمه توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية داخل قطاع غزة موجة واسعة من ردود الفعل الفلسطينية والدولية، وسط تحذيرات من أن هذه الخطوة قد تدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة من التصعيد العسكري والإنساني، في وقت تبدو فيه جهود التهدئة عاجزة عن تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ قبل أشهر.

وقال نتنياهو إن إسرائيل تعتزم رفع مساحة المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش داخل غزة من 53 بالمئة إلى نحو 70 بالمئة بشكل مبدئي، دون الكشف عن جدول زمني واضح أو تفاصيل ميدانية دقيقة، وهو ما اعتبرته حركة حماس محاولة لفرض واقع جديد بالقوة داخل القطاع.

حماس: مخطط للتهجير والتطهير العرقي

حركة حماس سارعت إلى إدانة تصريحات نتنياهو، ووصفت الخطة بأنها “تصعيد خطير” يهدف إلى تهجير الفلسطينيين وفرض سياسة أمر واقع عبر التوسع العسكري. وقالت الحركة إن أي محاولة لإعادة رسم حدود السيطرة داخل غزة تمثل انتهاكا لاتفاق وقف إطلاق النار وللقانون الدولي.

كما أكد مسؤولون في حكومة غزة أن الخطة الإسرائيلية تعني عمليا تقليص المساحات المتاحة أمام أكثر من مليوني فلسطيني يعيش معظمهم حاليا في مخيمات وخيام مؤقتة نتيجة الحرب المستمرة منذ عامين.

ويرى مراقبون أن التصريحات الإسرائيلية تحمل أبعادا سياسية داخلية أيضا، إذ يسعى نتنياهو إلى استعادة ثقة التيار اليميني المتشدد الذي يتهم حكومته بعدم تحقيق “نصر حاسم” في غزة أو لبنان أو إيران، رغم استمرار العمليات العسكرية منذ أشهر طويلة.

غضب شعبي ومخاوف إنسانية

داخل غزة، قوبلت التصريحات الإسرائيلية بحالة من القلق والغضب، خاصة مع استمرار أوامر الإخلاء والقصف الجوي في مناطق متفرقة من القطاع.

وقال عدد من السكان إنهم لم يعودوا يعرفون إلى أين يمكنهم التوجه في ظل تقلص المساحات الآمنة. ويعيش غالبية النازحين في ظروف إنسانية صعبة داخل مخيمات مزدحمة تفتقر إلى الخدمات الأساسية والمياه والرعاية الطبية.

ويرى عاملون في المجال الإنساني أن أي توسع جديد للسيطرة الإسرائيلية سيؤدي إلى تفاقم الكارثة الإنسانية، خاصة مع استمرار القيود على دخول المساعدات ونقص الغذاء والدواء والوقود.

كما حذرت منظمات إغاثية من أن استمرار الضغط العسكري قد يؤدي إلى انهيار كامل للبنية الإنسانية داخل القطاع، خصوصا في المناطق الجنوبية التي تستقبل مئات آلاف النازحين.

ردود فعل دولية متباينة

أوروبيا، عبرت عدة دول عن قلقها من الخطة الإسرائيلية. وقالت الخارجية البريطانية إن أي توسع إضافي للسيطرة الإسرائيلية على غزة سيكون “غير مقبول” وسيؤدي إلى زيادة تدهور الوضع الإنساني.

أما ألمانيا فأكدت رفضها لأي تقسيم دائم للأراضي الفلسطينية، بينما التزمت فرنسا موقفا حذرا دون إصدار تعليق رسمي حتى الآن.

وفي المقابل، لم يصدر عن الإدارة الأمريكية موقف مباشر تجاه تصريحات نتنياهو، رغم أن واشنطن تشرف عبر مجلس السلام الدولي على متابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار.

ويرى محللون أن صمت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يُفسر على أنه ضوء أخضر ضمني لإسرائيل لمواصلة الضغط العسكري على حماس، خاصة في ظل انشغال واشنطن بملفات إيران ولبنان وأمن الملاحة في الخليج.

اتفاق هش يواجه الانهيار

ورغم مرور أشهر على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، فإن القضايا الجوهرية لا تزال معلقة، وعلى رأسها مستقبل سلاح حماس، وانسحاب الجيش الإسرائيلي الكامل من القطاع، وشكل الإدارة السياسية لغزة بعد الحرب.

كما شهدت الأشهر الأخيرة تبادلا للاتهامات بين إسرائيل وحماس بخرق الهدنة، مع استمرار الغارات الإسرائيلية وسقوط قتلى من الجانبين.

وتشير تقديرات ميدانية إلى أن إسرائيل وسعت بالفعل مناطق نفوذها داخل غزة خلال الأسابيع الماضية عبر فرض مناطق عازلة جديدة ومنع المدنيين من العودة إلى أجزاء واسعة من القطاع.

ويرى خبراء أمنيون أن تل أبيب تحاول استخدام الضغط العسكري كورقة تفاوض لإجبار حماس على تقديم تنازلات تتعلق بنزع السلاح وإعادة ترتيب الوضع الأمني في غزة.

هل تتجه المنطقة إلى مواجهة جديدة؟

محللون سياسيون حذروا من أن توسيع العمليات الإسرائيلية قد يقود إلى انفجار جديد في القطاع، خصوصا إذا انهارت الهدنة الحالية بشكل كامل.

ويقول خبراء إن حماس قد تلجأ إلى تصعيد عسكري جديد إذا شعرت بأن إسرائيل تسعى إلى فرض احتلال طويل الأمد أو إعادة رسم الخريطة الجغرافية للقطاع بالقوة.

كما أن أي تصعيد واسع قد يفتح الباب أمام تدخلات إقليمية جديدة، خاصة في ظل استمرار التوتر مع إيران وتصاعد المواجهة على الجبهة اللبنانية مع حزب الله.

ويرى بعض المراقبين أن إسرائيل قد تحاول فرض نموذج أمني جديد داخل غزة يقوم على مناطق نفوذ عسكرية دائمة، مع إبقاء الضغط الاقتصادي والإنساني على السكان لدفع حماس نحو اتفاق طويل الأمد بشروط إسرائيلية.

مستقبل غامض

في ظل التصعيد الحالي، تبدو فرص العودة إلى تهدئة مستقرة ضعيفة، خصوصا مع غياب توافق سياسي واضح بشأن مستقبل القطاع.

وبينما تؤكد إسرائيل أنها تسعى إلى منع عودة التهديدات الأمنية، يرى الفلسطينيون أن الخطط المطروحة تعني تكريس واقع الاحتلال وتقويض أي أمل بإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

ومع استمرار الحرب الإقليمية وتداخل الملفات بين غزة ولبنان وإيران، تبقى المنطقة أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات متعددة، تبدأ من استمرار التوتر المحدود ولا تنتهي عند احتمال اندلاع مواجهة أوسع قد تعيد خلط أوراق الشرق الأوسط بالكامل.

اترك تعليقا