ميليشيات أراكان تصعّد تهجير الروهينجا ونهب ممتلكاتهم
في سياق يتسم بالعنف المنظم
- السيد التيجاني
- 2 يناير، 2026
- تقارير
- أراكان, التهجير القسري, المسلمين الروهينجا, بنغلاديش
تشهد ولاية أراكان في ميانمار تصعيداً خطيراً في الانتهاكات بحق المسلمين الروهينجا، في سياق يتسم بالعنف المنظم والتطهير العرقي البطيء،
حيث أقدمت ميليشيات أراكان البوذية الانفصالية على الاستيلاء على ممتلكات الروهينجا المُهجرين قسراً، مستخدمة التهديد والعنف والتضليل الإعلامي لإعادة صياغة الوقائع أمام الرأي العام العالمي.
حملة منسقة نحو التطهير العرقي
وبحسب إفادات محلية نقلها موقع “مونغدو ديلي نيوز”، فإن ميليشيات أراكان شنت حملة منسقة استهدفت قرى ليبترا وكياوك تشاونغ وتشون باوك بيو شمال مدينة مونغدو، حيث أُجبر السكان الروهينجا على مغادرة منازلهم تحت التهديد المباشر،
ما دفع أعداداً منهم إلى الفرار نحو بنغلادش، في حين تُركت ممتلكاتهم فريسة للمصادرة المنظمة.
يقول محمد إسحاق، أحد الناجين من قرية ليبترا، إن “ما حدث لم يكن نزوحاً عشوائياً، بل عملية تهجير قسري مخططة، رافقتها تهديدات صريحة بالقتل والحرق”.
نشاط مسلح داخل القرى
ويضيف أن الميليشيات استخدمت ذريعة وجود “جيش تحرير الروهينجا في أراكان” لتبرير طرد المدنيين، رغم عدم وجود أي نشاط مسلح داخل القرى المستهدفة.
وتشير شهادات متطابقة إلى أن قائد كتيبة الميليشيات، المعروف باسم خاين لون، أشرف شخصياً على جرد الممتلكات التي تركها السكان، بما في ذلك المنازل والمواشي والمحاصيل، قبل تحميلها على شاحنات ونقلها إلى مناطق أخرى يقطنها أفراد من عرقية الراخين، في خطوة يراها مراقبون جزءاً من سياسة تغيير ديموغرافي متعمد.
يرى الباحث في شؤون الأقليات في جنوب شرق آسيا الدكتور عبد الرحمن خان أن “ما يجري في شمال مونغدو يحمل كل سمات التطهير العرقي،
من التهجير القسري، إلى مصادرة الممتلكات، وصولاً إلى منع العودة”. ويؤكد أن الهدف الواضح هو “إفراغ المنطقة من الروهينجا نهائياً وإعادة رسم الخريطة السكانية بالقوة”.
الأخطر من ذلك، بحسب شهود عيان، هو لجوء ميليشيات أراكان إلى الإعلام كأداة تضليل. ففي 30 ديسمبر، استُدعيت وسائل إعلام موالية لتصوير مشاهد مُفبركة تُظهر عمليات المصادرة وكأنها إجراءات طبيعية أو “إعادة تنظيم”، بينما أُجبر بعض الروهينجا، تحت تهديد السلاح، على الإدلاء بتصريحات تخدم رواية الميليشيات.
تقول الناشطة الحقوقية الروهينجية نور جهان بيغوم إن “إجبار الضحايا على الظهور أمام الكاميرا هو شكل آخر من أشكال العنف”، مضيفة أن “هذه التسجيلات تُستخدم لاحقاً لنفي الجرائم والتشكيك في شهادات اللاجئين”. وترى أن هذا الأسلوب يعكس وعياً متزايداً لدى الميليشيات بأهمية الحرب الإعلامية لتجنب المساءلة الدولية.
ولم تقتصر الانتهاكات على القرى المذكورة، إذ أفادت تقارير محلية بأن ميليشيات أراكان أجبرت سكان قرى فاتلي بين وياوينغ بين على الانتقال القسري، مع الاستعداد لمصادرة ممتلكاتهم فور إخلائها.
مخاوف من توسع الحملة
وقد أثار ذلك حالة من الهلع بين الروهينجا الذين ما زالوا في مناطق أخرى من أراكان، وسط مخاوف من توسع الحملة.
في السياق الأوسع، تأتي هذه الانتهاكات في ظل صراع مسلح مستمر بين ميليشيات أراكان وجيش ميانمار، حيث يدفع المدنيون الثمن الأكبر.
ويؤكد توم أندروز، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في ميانمار، في تصريحات سابقة، أن “الروهينجا عالقون بين أطراف النزاع، ويُستهدفون بشكل خاص بسبب هويتهم”.
الأمم المتحدة أعربت مراراً عن قلقها البالغ إزاء استمرار الانتهاكات في أراكان. فقد أكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن التهجير القسري ومصادرة الممتلكات على أساس عرقي
قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية إذا ثبت طابعها المنهجي. كما دعت إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
من جانبها، شددت منظمة العفو الدولية على أن “ما يتعرض له الروهينجا اليوم هو استمرار لنمط طويل من الاضطهاد”، معتبرة أن صمت المجتمع الدولي يشجع الجناة على المضي قدماً. وقالت إيريكا غيفارا روساس، مديرة البحوث في المنظمة، إن “الإفلات من العقاب هو الوقود الحقيقي لهذه الجرائم”.
نقطة الانهيار الكامل
أما هيومن رايتس ووتش، فقد طالبت بفرض عقوبات محددة الهدف على قادة الميليشيات المتورطين في التهجير القسري، محذرة من أن الأوضاع الإنسانية في شمال أراكان تقترب من نقطة الانهيار الكامل، في ظل القيود المفروضة على الحركة، وانعدام الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية والمياه والتعليم.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى موجة نزوح جديدة نحو بنغلادش، التي تستضيف بالفعل أكثر من مليون لاجئ روهينجي. ويرى الدكتور كريس لو، الباحث في شؤون اللاجئين، أن “أي تصعيد إضافي سيضع ضغطاً هائلاً على الدول المجاورة، ويحوّل الأزمة إلى تهديد إقليمي”.
مرحلة جديدة من الاضطهاد
في الخلاصة، تكشف الانتهاكات الأخيرة في ولاية أراكان عن مرحلة جديدة من الاضطهاد المنظم ضد المسلمين الروهينجا،
حيث تتكامل القوة المسلحة مع التضليل الإعلامي لتكريس واقع الإقصاء والاقتلاع. وبينما تتوالى النداءات من المجتمع الروهينجي للتدخل الدولي العاجل، يبقى السؤال مفتوحاً: إلى متى سيظل العالم يكتفي بالإدانة، فيما تُمحى جماعة بأكملها من أرضها وذاكرتها؟