اتفاقية نووية تضبط التوتر المزمن بين باكستان والهند
بهدف منع استهداف المنشآت النووية في أي نزاع عسكري
- السيد التيجاني
- 1 يناير، 2026
- تقارير
- الأمم المتحدة, المشاريع النووية, الهند, باكستان, نهر السند, نهر تشيناب
يأتي التبادل السنوي لقوائم المنشآت والمرافق النووية بين باكستان والهند في الأول من يناير 2026 كحدث روتيني في شكله، لكنه عميق الدلالة في مضمونه. ففي منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم توتراً، حيث يلتقي السلاح النووي بالنزاعات الحدودية المزمنة، تتحول مثل هذه الإجراءات “التقنية” إلى مؤشرات سياسية ذات وزن استراتيجي.
الاتفاقية الموقعة عام 1988، والتي دخلت حيز التنفيذ عام 1991، تُعد واحدة من أقدم آليات بناء الثقة بين الجارتين النوويتين وتهدف الاتفاقية إلى منع استهداف المنشآت النووية في أي نزاع عسكري،
استمرار الالتزام بهذه الاتفاقية
ويرى الدكتور رفيق أحمد، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة قائد أعظم بإسلام آباد، أن “استمرار الالتزام بهذه الاتفاقية، رغم كل الأزمات، يدل على إدراك الطرفين أن كلفة الانفلات النووي ستكون كارثية على الجميع”.
لكن هذا الالتزام، برأي كثيرين، لا يعني تحسناً في العلاقات الثنائية. فالتبادل جرى في ظل جمود سياسي شبه كامل، وغياب للحوار الشامل منذ سنوات.
ويشير الباحث الهندي براشانت كومار من مركز دراسات السياسات في نيودلهي إلى أن “هذه الاتفاقيات لم تعد تعكس حسن نية بقدر ما تعكس خوفاً متبادلاً من سوء التقدير”.
في المؤتمر الصحفي، حاول المتحدث باسم الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي التأكيد على الطابع القانوني والملزم للتبادل، مذكّراً بأن الإخطار يتم وفق تعريف
واضح للمنشآت النووية في بداية كل عام. غير أن مراقبين يرون أن هذا التذكير لم يكن بريئاً، بل رسالة غير مباشرة للهند بأن باكستان لا تزال متمسكة بالإطار القانوني الدولي.
إلى جانب الملف النووي، برز ملف السجناء كعنصر إنساني موازٍ. تسليم قائمة تضم 257 سجيناً هندياً في باكستان، وتسلّم قائمة بالسجناء الباكستانيين في الهند،
القنوات الدبلوماسية
يعكس وجهاً آخر من العلاقات الثنائية. تقول الناشطة الحقوقية عائشة صديقي إن “هذا التبادل يُظهر أن القنوات الدبلوماسية لا تزال تعمل عندما يتعلق الأمر بملفات أقل حساسية من كشمير أو المياه”.
غير أن الملف الأخطر، والأكثر قابلية للتفجير السياسي، كان ملف مشروع “دولهاستي المرحلة الثانية” الكهرومائي على نهر تشيناب. فهنا، انتقل الخطاب الباكستاني من التوصيف الإجرائي إلى التحذير الصريح. ويؤكد أندرابي أن عدم إخطار باكستان يشكل خرقاً واضحاً لمعاهدة مياه نهر السند.
يرى الخبير المائي الدكتور شمس الحق أن “معاهدة مياه نهر السند ليست مجرد اتفاق لتقاسم المياه، بل إطار أمني يمنع استخدام المياه كسلاح سياسي”. ويضيف أن أي مشروع جديد على الأنهار الغربية دون تشاور قد يُنظر إليه في إسلام آباد كتهديد وجودي.
من الجانب الهندي، يلتزم المسؤولون عادة الصمت أو الاكتفاء بتصريحات تقنية، مؤكدين أن المشاريع تندرج ضمن حقوق الهند.
التصعيد غير المقصود
إلا أن المحلل الاستراتيجي أرفيند مالhotra يرى أن “غياب الشفافية في هذه المشاريع يفتح الباب أمام سوء الفهم، وربما التصعيد غير المقصود”.
اللافت في التصريحات الباكستانية هو الاستناد المتكرر إلى قرارات محكمة التحكيم الصادرة في العام الماضي، والتي أكدت قانونية المعاهدة.
هذا الاستناد يعكس، بحسب المحللة السياسية فرح نذير، “تحولاً في استراتيجية باكستان نحو تدويل النزاع المائي قانونياً بدلاً من الاكتفاء بالاحتجاجات الدبلوماسية”.
وتتوقع نذير أن “تشهد المرحلة المقبلة تصعيداً قانونياً هادئاً، يتمثل في مراسلات مكثفة وضغوط عبر الأطراف الدولية الضامنة للمعاهدة، دون الوصول إلى مواجهة مباشرة”.
في المقابل، يرى محللون أن الهند قد تمضي قدماً في مشاريعها، مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي بأزمات عالمية أخرى.
ويقول الباحث سنجاي باتيل إن “نيودلهي تراهن على أن أي نزاع حول المياه سيظل محصوراً في الإطار الفني، ولن يتحول إلى أزمة سياسية كبرى”.
لكن هذا الرهان محفوف بالمخاطر. فالمياه في باكستان ليست مجرد مورد اقتصادي، بل مسألة أمن قومي.
ويؤكد الجنرال المتقاعد طلعت مسعود أن “أي مساس بحصص المياه سيؤثر مباشرة على الاستقرار الداخلي، ما قد يدفع القيادة الباكستانية إلى ردود فعل أكثر حدة”.
على المدى القريب، يتوقع معظم الخبراء استمرار الوضع الراهن: تبادل للقوائم النووية، مراسلات حول المياه، ولا حوار سياسي شامل. أما على المدى المتوسط، فإن احتمالات التوتر ستظل قائمة، خاصة إذا شرعت الهند فعلياً في تنفيذ المشروع دون توافق.
التوازن بين الصرامة والتهدئة
ورغم النبرة الحازمة، حرصت الخارجية الباكستانية على التأكيد مجدداً على التزامها بالحل السلمي. ويرى الدكتور رفيق أحمد أن هذا التوازن بين الصرامة والتهدئة “يعكس إدراكاً بأن أي انزلاق نحو التصعيد سيضر بالبلدين، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية”.
في الخلاصة، يكشف هذا الحدث المزدوج – تبادل القوائم النووية والجدل حول المياه – عن طبيعة العلاقة الباكستانية الهندية: تعاون محدود تحكمه الضرورة، وصراع كامن تغذيه الشكوك التاريخية. وبينما تبقى الاتفاقيات صامدة حتى الآن، فإن مستقبلها سيعتمد على الإرادة السياسية أكثر من النصوص القانونية.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستظل هذه الآليات مجرد صمامات أمان تمنع الانفجار، أم يمكن أن تشكل أساساً لحوار أوسع يعيد تعريف العلاقة بين الجارتين النوويتين؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.
ترى الأمم المتحدة في هذا التطور من زاوية الاستقرار الإقليمي ومنع التصعيد أكثر مما تراه من زاوية الخلافات الثنائية نفسها، ويمكن تلخيص موقفها في عدة مستويات مترابطة:
أولاً: تبادل القوائم النووية – إجراء مطمئن ولكن محدود
تنظر الأمم المتحدة إلى التبادل السنوي لقوائم المنشآت النووية بين باكستان والهند بوصفه إجراءً لبناء الثقة ينسجم مع أهدافها الأساسية في منع الانتشار النووي وتقليل مخاطر سوء التقدير. من منظور أممي،
استمرار الالتزام باتفاقية 1988 يدل على وجود حد أدنى من العقلانية الاستراتيجية بين دولتين نوويتين خارج معاهدة عدم الانتشار. لكنه، في الوقت نفسه، لا يُعد مؤشراً على تحسن سياسي شامل، بل آلية احتواء تمنع الانزلاق إلى كارثة.
ثانياً: ملف السجناء – بعد إنساني مرحّب به
تتعامل الأمم المتحدة، عبر مفوضيتها السامية لحقوق الإنسان، بإيجابية مع تبادل قوائم السجناء باعتباره تطبيقاً لاتفاقية الوصول القنصلي.
هذا الملف يُنظر إليه كمساحة نادرة للتعاون الإنساني وسط توترات سياسية حادة، ويُشجَّع الطرفان على تحويله إلى خطوات عملية مثل تسريع الإفراج عن السجناء الذين أنهوا مددهم أو المحتجزين لأسباب غير جنائية جسيمة.
ثالثاً: مشروع تشيناب – مصدر قلق حقيقي
فيما يتعلق بمشروع دولهاستي على نهر تشيناب، ترى الأمم المتحدة أن المياه في جنوب آسيا قضية أمن بشري وإقليمي. موقفها التقليدي هو عدم الانحياز، لكنها تشدد على ضرورة الالتزام الصارم بمعاهدة مياه نهر السند، باعتبارها واحدة من أنجح الاتفاقيات المائية في العالم.
أي تصرف أحادي يُنظر إليه داخل المنظمة كعامل قد يزعزع استقرار منطقة تعاني أصلاً من هشاشة سياسية ومناخية.
رابعاً: القانون الدولي قبل السياسة
الأمم المتحدة تولي أهمية خاصة لقرارات محكمة التحكيم الأخيرة التي أكدت إلزامية المعاهدة. من وجهة نظرها، هذه القرارات تُغلق الباب أمام التفسيرات الأحادية، وتُعيد النزاع إلى مساره القانوني. لذلك، تشجع المنظمة الطرفين على الحوار الفني والقانوني بدلاً من التصعيد الإعلامي أو السياسي.
خامساً: التخوف الأكبر – الربط بين الماء والسلاح النوو
ما يقلق الأمم المتحدة فعلياً هو التقاء ثلاثة عوامل: دول نووية، نزاع مزمن، وموارد مائية عابرة للحدود. هذا المزيج، وفق تقارير أممية سابقة، قد يحول الخلافات التقنية إلى أزمات أمنية كبرى إذا غابت الثقة. لذلك، تُفضّل المنظمة أي خطوة تُبقي النزاعات ضمن الأطر المؤسسية القائمة.
ترى الأمم المتحدة أن ما حدث يعكس إدارة أزمة لا حل أزمة. فالالتزام بالاتفاقيات النووية والمائية يمنع الانفجار، لكنه لا يعالج جذور التوتر. رسالتها الضمنية للطرفين واضحة:
الاستقرار في جنوب آسيا لا يتحقق بالقوة ولا بالإجراءات الأحادية، بل بالشفافية، واحترام القانون الدولي، وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة مهما بلغت الخلافات.